لا يعرفها فكيف يحترز منها فلا يزال الجاهل في تعب والشيطان منه في فرح وشماتة فنعوذ باللَّه من الجهل والغفلة ، فهما رأس كلّ شقاوة وأساس كلّ خسران فحكم اللَّه على كلّ عبد أن يراقب نفسه عند همّه بالفعل وسعيه بالجارحة فيتوقّف عن الهمّ وعن السعي حتّى ينكشف له بنور العلم أنّه للَّه تعالى فيمضيه أو هو لهوى النفس فيتّقيه ويزجر القلب عن الفكر فيه وعن الهمّ به فإنّ الخطرة الأولى في الباطل إذا لم تدفع أورثت الرّغبة والرّغبة تورث الهمّ والهمّ يورث جزم القصد والقصد يورث الفعل والفعل يورث العقاب والمقت ، فينبغي أن تحسم مادّة الشرّ من منبعه الأوّل وهو الخاطر فإنّ جميع ما وراءه يتبعه ومهما أشكل على العبد ذلك وأظلمت الواقعة فلم ينكشف له فيتفكَّر فيه بنور العلم ويستعيذ باللَّه من مكر الشيطان بواسطة الهوى فإن عجز عن الاجتهاد والفكر فيه بنفسه فليستضيء بنور علماء الدّين وليفرّ من العلماء المضلَّين المقبلين على الدّنيا فراره من الأسد بل أشدّ فقد أوحى اللَّه عزّ وجلّ إلى داود عليه السّلام : « يا داود لا تسأل عنّي عالما أسكره حبّ الدّنيا فيقطعك عنّي وعن محبّتي أولئك قطَّاع طريق عبادي » فالقلوب المظلمة بحبّ الدّنيا وشدّة الشّره بها والتكالب عليها محجوبة عن نور اللَّه تعالى فإنّ مستضاء أنوار القلوب حضرة الرّبوبيّة وكيف يستضيء بها من استدبرها وأقبل على عدوّها وعشق ضدّها وهي شهوات الدّنيا فلتكن همّة المريد أوّلا في أحكام العلم وفي طلب عالم معرض عن الدّنيا أو ضعيف الرّغبة فيها إن لم يجد من هو عديم الرّغبة فيها وقد قال عليه السّلام : « إنّ اللَّه يحبّ البصير الناقد عند ورود الشبهات » ( 1 ) والعقل الكامل عند هجوم الشهوات جمع بين الأمرين وهما متلازمان حقّا فمن ليس له عقل وازع عن الشهوات فليس له بصر ناقد في الشبهات ، ولذلك قال عليه السّلام : « من قارف ذنبا فارقه عقل لا يرجع إليه أبدا » ( 2 ) فما قدر العقل الضعيف الَّذي يتّصف الآدمي به حتّى يعمد إلى محوه ومحقه بمقارفة الذّنوب ومعرفة آفات الأعمال قد اندرست في هذه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 160
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦٠
هامش
( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث عمران بن حصين بن عمر العدني ضعفه الجمهور كما في المغني .
( 2 ) قد تقدم .