تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣

إلى الغبن والحسرة وقد قال تعالى : « يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن » ( 1 ) فهذه وصيّته لنفسه في أوقاته ثمّ يستأنف لها وصيّة في أعضائه السبعة : العين والأذن واللَّسان والبطن والفرج واليد والرّجل وتسليمها إليها [ 1 ] فإنّها رعايا خادمة لها في التجارة وبها تتمّ أعمال هذه التجارة وإنّ لجهنّم سبعة أبواب لكلّ باب منهم جزء مقسوم وإنّما تتعيّن تلك الأبواب لمن عصى اللَّه بهذه الأعضاء فيوصيها بحفظها عن معاصيها أمّا العين فيحفظها عن النظر إلى عورة مسلم ووجه من ليس بمحرم أو النظر إلى مسلم بعين الاحتقار بل عن كلّ فضول مستغنى عنه فإنّ اللَّه يسأل عبده عن فضول النظر كما يسأله عن فضول الكلام ، ثمّ إذا صرفها عن هذا لم يقنع به حتّى يشغلها بما فيه تجارتها وربحها وهي الَّتي خلقت له من النظر إلى عجائب صنع اللَّه عزّ وجلّ بعين الاعتبار والنظر إلى أعمال الخير للاقتداء والنظر في كتاب اللَّه وسنّة رسوله ومطالعة كتب الحكمة للاتّعاظ والاستفادة وهكذا ينبغي أن يفصّل عليها الأمر في عضو عضو لا سيّما اللَّسان والبطن ، أمّا اللَّسان فلأنّه منطلق بالطبع ولا مئونة عليه في الحركة وجنايته عظيمة بالغيبة والكذب والنميمة وتزكية النفس ومذمّة الخلق والأطعمة والطعن واللَّعن والدّعاء على الأعداء والمماراة في الكلام وغير ذلك ممّا ذكرناه في آفات اللَّسان فهي بصدد ذلك كلَّه مع أنّها خلقت للذكر والتذكير وتكرار العلم والتعليم وإرشاد عباد اللَّه إلى طريق اللَّه وإصلاح ذات البين وسائر خيراته فليشترط على نفسه أن لا يحرّك اللَّسان إلا في الذكر طول نهاره فنطق المؤمن ذكر ونظره عبرة وصمته فكرة « وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد » ، وأمّا البطن فيكلَّفه ترك الشره وتقليل الأكل من الحلال واجتناب الشبهات ويمنعه من الشهوات ويقتصر على قدر الضرورة ويشترط عليها إن خالفت شيئا من ذلك عاقبها بالمنع من شهواته فيفوتها أكثر ممّا نالته بشهواتها ، وهكذا يشترط عليها في جميع الأعضاء واستقصاء ذلك يطول ولا يخفى معاصي الأعضاء وطاعاتها ثمّ يستأنف وصيّتها في وظائف الطاعات الَّتي تتكرّر عليه في اليوم واللَّيلة ثمّ في النوافل الَّتي يقدر

هامش
( 1 ) التغابن : 9 .
[ 1 ] أي تسليم الأعضاء إلى النفس .