تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١

* ( المقام الأول من المرابطة المشارطة ) * اعلم أنّ مطلب المتعاملين في التجارات المشتركين في البضائع عند المحاسبة سلامة الرّبح وكما أنّ التاجر يستعين بشريكه فيسلَّم إليه المال حتّى يتّجر ثمّ يحاسبه فكذلك العقل هو التاجر في طريق الآخرة وإنّما مطلبه وربحه تزكية النفس إذ به فلاحها قال اللَّه تعالى : « قد أفلح من زكَّيها . وقد خاب من دسّيها » ( 1 ) وإنّما فلاحها بالأعمال الصالحة ، والعقل يستعين بالنفس في هذه التجارة إذ يستعملها ويستسخرها فيما يزكَّيها كما يستعين التاجر بشريكه وغلامه الَّذي يتّجر في ماله وكما أنّ الشريك يصير خصما منازعا يحاذيه في الرّبح فيحتاج إلى أن يشارطه أوّلا ويراقبه ثانيا ويحاسبه ثالثا ويعاتبه أو يعاقبه رابعا فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أوّلا فيوظَّف عليها الوظائف ويشترط عليها الشروط ويرشدها إلى طريق الفلاح ويجزم عليها الأمر بسلوك تلك الطريق ثمّ لا يغفل عن مراقبتها لحظة ، فإنّه لو أهملها لم ير منها إلا الخيانة وتضييع رأس المال كالعبد الخائن إذا خلا له الجوّ وانفرد بالمال ثمّ بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها ، فإنّ هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشهداء فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهمّ كثيرا في تدقيقه في أرباح الدّنيا مع أنّها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبى ، ثمّ كيف ما كانت فمصيرها إلى التصرّم والانقضاء ولا خير في خير لا يدوم بل شرّ لا يدوم خير من خير لا يدوم لأنّ الشرّ الَّذي لا يدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائما وقد انقضى الشرّ ، والخير الَّذي لا يدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائما وقد انقطع الخير ولذلك قيل : أشدّ الغمّ عندي في سرور * تيقّن عنه صاحبه انتقالا فحتم على كلّ ذي حزم آمن باللَّه واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها فإنّ كلّ نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشتري بها كنزا من الكنوز لا تتناهى نعيمه

هامش
( 1 ) الشمس : 9 و 10 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 151 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري