نفس شيئا وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين » ( 1 ) . وقال : « ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممّا فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربّك أحدا » ( 2 ) وقال : « يوم يبعثهم الله جميعا فينبّئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كلّ شيء شهيد » ( 3 ) وقال : « يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم . فمن يعمل مثقال ذرَّة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرَّة شرًّا يره » ( 4 ) وقال : « ثمّ توفّى كلُّ نفس ما كسبت وهم لا يظلمون » ( 5 ) وقال تعالى : « يوم تجد كلُّ نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تودُّ لو أنَّ بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذِّركم الله نفسه » ( 6 ) وقال تعالى : « واعلموا أنَّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أنَّ الله غفورٌ رحيم » ( 7 ) فعرف أرباب البصائر من جملة العباد أنَّ اللَّه عزّ وجلّ لهم بالمرصاد وإنّهم سيناقشون في الحساب ، ويطالبون بمثاقيل الذرّ من الخطرات واللَّحظات ، وتحقّقوا أنّه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات ومحاسبتها في الخطرات واللَّحظات ، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خفّ في القيامة حسابه وحضر عند السؤال جوابه وحسن منقلبه ومآبه ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته وطالت في عرصات القيامة وقفاته وقادته إلى الخزي والمقت سيّئاته ، فلمّا انكشف لهم ذلك علموا أنّه لا ينجيه منه إلا طاعة اللَّه عزّ وجلّ وقد أمرهم بالصبر والمرابطة فقال : « يا أيّها الَّذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا » ( 8 ) فرابطوا أوّلا أنفسهم بالمشارطة ، ثمّ بالمراقبة ، ثمّ بالمحاسبة ، ثمّ بالمعاقبة ثمّ بالمجاهدة ، ثمّ بالمعاتبة ، فكانت لهم في المرابطة ستّ مقامات ولا بدّ من شرحها وبيان حقيقتها وفضيلتها وتفصيل الأعمال فيها وأصلها المحاسبة ولكن كلّ حساب فبعد مشارطة ومراقبة ويتبعه عند الحساب معاتبة ومعاقبة فلنذكر شرح هذه المقامات .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 150
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٥٠
هامش
( 1 ) الأنبياء : 47 .
( 2 ) الكهف : 50 .
( 3 ) المجادلة : 6 .
( 4 ) الزلزال : 6 و 7 و 8 .
( 5 ) البقرة : 281 .
( 6 ) آل عمران : 30 .
( 7 ) البقرة : 235 .
( 8 ) آل عمران : 200 .