تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨

هكذا قال : « من اختلف إلى المسجد أصاب إحدى الثمان أخا مستفادا في اللَّه أو علما مستطرفا أو آية محكمة أو يسمع كلمة تدلَّه على هدى أو كلمة تردّه عن ردى أو رحمة منتظرة أو يترك ذنبا خشية أو حياء » . قال أبو حامد : فهذا طريق تكثير النيّات وقس عليه سائر الطاعات والمباحات إذ ما من طاعة إلا وتحتمل نيّات كثيرة وإنّما تحضر في قلب العبد المؤمن بقدر جدّه في طلب الخير وتشمّره له وتفكَّره فيه فبهذا تزكو الأعمال وتتضاعف الحسنات . القسم الثالث المباحات وما من شيء من المباحات إلا ويحتمل نيّة أو نيّات يصير بها من محاسن القربات وينال معالي الدّرجات فما أعظم خسران من يغفل عنها ويتعاطاها تعاطى البهائم المهملة عن سهو وغفلة ولا ينبغي أن يستحقر العبد شيئا من الخطرات واللَّحظات فكلّ ذلك يسأل عنها يوم القيامة أنّه لم فعلها وما الَّذي قصد بها هذا في مباح محض لا يشوبه كراهة ، ولذلك قال عليه السّلام : « حلالها حساب وحرامها عذاب » ( 1 ) وفي الخبر « من تطيّب للَّه تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك ، ومن تطيّب لغير اللَّه جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة » ( 2 ) واستعمال الطيب مباح ولكن لا بدّ فيه من نيّة . فإن قلت : فما الَّذي يمكن أن ينوي بالطيب وهو حظَّ من حظوظ النفس وكيف يتطيّب للَّه تعالى ؟ فاعلم أنّ من تطيّب مثلا يوم الجمعة وفي سائر الأوقات يتصوّر أن يقصد التنعّم بلذّات الدّنيا أو يقصد به إظهار التفاخر بكثرة المال ليحسده الأقران أو يقصد به رئاء الخلق ليقوم له الجاه في قلوبهم ويذكر بطيب الرائحة أو ليتودّد في قلوب النساء الأجنبيّات إذا كان متهيّأ للنظر إليهنّ أو لأمور أخر لا تحصى وكلّ ذلك يجعل التطيّب معصية فبذلك يكون أنتن من الجيفة في القيامة لا بالقصد الأوّل وهو التلذّذ والتنعّم فإنّ ذلك ليس بمعصية إلا أنّه يسأل عنه « ومن نوقش في الحساب عذّب » ومن أوتي شيئا من مباح الدّنيا لم يعذّب عليه في الآخرة ولكن ينقص من نعيم الآخرة له بقدره وناهيك خسرانا بأن يستعجل ما يفنى ويخسر زيادة نعيم يبقى وأمّا النيّات الحسنة فإنّه ينوي به اتّباع سنّة النبيّ

هامش
( 1 ) قد تقدم .
( 2 ) ما عثرت على أصل له .