الطعام حتّى فرغ منه فتعجّبوا منه لما علموا من سخائه وزهده وظنّوا أنّ الخير في طلب المساعدة في الطعام فقال : إنّي أعمل لقوم بأجرة وقدّموا إليّ الرّغيفين لأتقوّى بهما على عملهم فلو أكلتم معي لم يكفكم ولم يكفني وضعفت عن عملهم .
فالبصير هكذا ينظر إلى البواطن بنور اللَّه فإنّ ضعفه عن العمل نقص في فرض وترك الدّعوة نقص في فضل ولا حكم للفضائل مع الفرائض ، فهكذا ينبغي أن يتفقّد العبد نيّته في سائر الأعمال فلا يقدم ولا يحجم إلا بنيّة فإن لم تحضره النيّة توقّف فإنّ النيّة لا تدخل تحت الاختيار .
* ( بيان أنّ النيّة غير داخلة تحت الاختيار ) *
اعلم أنّ الجاهل يسمع ما ذكرناه من الوصيّة بتحسين النيّة وتكثيرها مع قوله عليه السّلام : الأعمال بالنيّات
فيقول في نفسه عند تدريسه أو تجارته أو أكله : نويت أن أدرس للَّه تعالى أو أتّجر أو آكل ويظنّ أنّ ذلك نيّة وهيهات فذلك حديث نفس أو حديث لسان أو فكرة وانتقال من خاطر إلى خاطر ، والنيّة بمعزل عن جميع ذلك وإنّما النيّة انبعاث النفس وتوجّهها وميلها إلى ما ظهر لها أنّ فيه غرضها إمّا عاجلا أو آجلا والميل إذا لم يكن لا يمكن اختراعه واكتسابه بمجرّد الإرادة بل ذلك كقول الشبعان : نويت أن اشتهى الطعام وأميل إليه أو قول الفارغ : نويت إن أعشق فلانا وأحبّه وأعظمه بقلبي وذلك محال بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشيء وميله إليه وتوجّهه نحوه إلا باكتساب أسبابه وذلك ممّا قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه وإنّما ينبعث النفس إلى الفعل إجابة للغرض الباعث الموافق للنفس الملائم لها وما لم يعتقد الإنسان أنّ غرضه منوط بفعل من الأفعال فلا يتوجّه نحوه قصده وذلك ممّا لا يقدر على اعتقاده في كلّ حين ، وإذا اعتقد فإنّما يتوجّه القلب إذا كان فارغا غير مصروف عنه بغرض شاغل أقوى منه وذلك لا يمكن في كلّ وقت والدّواعي والصوارف لها أسباب كثيرة بها تجتمع ويختلف ذلك بالأشخاص والأحوال والأعمال فإذا غلبت شهوة النكاح ولم يعتقد غرضا صحيحا في الولد دينا ولا دنيا لم يمكنه إن يواقع على نيّة الولد بل لا يمكن إلا على نيّة قضاء الشهوة إذ النيّة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 121
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٢١