به من الوصول إلى شهواته ، بل لم يزل علماء السلف يتفقّدون أحوال من يتردّد إليهم فلو رأوا من واحد منهم تقصيرا في نفل من النوافل أنكروه وتركوا إكرامه وإذا رأوا منه فجورا أو استحلال حرام هجروه ونفوه عن مجالسهم وتركوا تكليمه فضلا عن تعليمه لعلمهم بأنّ من تعلَّم مسئلة ولم يعمل بها وجاوزها إلى غيرها فليس يطلب إلا آلة الشرّ وقد تعوّذ جميع السلف باللَّه من الفاجر العالم بالسنّة وما تعوّذوا من الفاجر الجاهل ، فهذا وأمثاله ممّا يلتبس على الأغبياء وأتباع الشيطان وإن كانوا أرباب الطيالسة والأكمام الواسعة وأصحاب الألسنة الطويلة والفضل الكثير أعني الفضل من العلوم الَّتي لا تشتمل على التحذير من الدّنيا والزّجر منها والترغيب في الآخرة والدّعاء إليها بل هي العلوم الَّتي تتعلَّق بالخلق ويتوصّل بها إلى جمع الحطام واستتباع الناس والتقدّم على الأقران فإذن قوله عليه السّلام : « الأعمال بالنيّات » يختصّ من الأقسام الثلاثة بالطاعات والمباحات دون المعاصي إذ الطاعة تنقلب معصية بالقصد وتكون طاعة بالقصد والمباح ينقلب معصية وطاعة بالقصد فأمّا المعصية فلا تنقلب طاعة بالقصد أصلا ، نعم النيّة داخلة فيها وهو أنّه إذا انضافت إليها قصود الخبيثة تضاعف وزرها وعظم وبالها كما ذكرنا ذلك في كتاب التوبة .
القسم الثاني الطاعات وهي مرتبطة بالنيّات في أصل صحّتها وفي تضاعف فضلها أمّا الأصل فهو أن ينوي بها عبادة اللَّه لا غير فإن نوى الرّياء صارت معصية وأمّا تضاعف الفضل فبكثرة النيّات الحسنة وإنّ الطاعة الواحدة يمكن أن ينوي بها خيرات كثيرة فيكون له بكلّ نيّة ثواب إذ كلّ واحدة منها حسنة فتضاعف كلّ حسنة عشر أمثالها كما ورد به الخبر ومثالها القعود في المسجد فإنّه طاعة ويمكن أن ينوي فيه نيّات كثيرة حتّى يصير من فضائل أعمال المتّقين ويبلغ به درجات المؤمنين أوّلها أن يعتقد أنّه بيت اللَّه وأنّ داخله زائر للَّه تعالى فيقصد به زيارة مولاه رجاء لما وعده النبيّ عليه السّلام حيث قال : « من دخل [ 1 ] المسجد فقد زار اللَّه عزّ وجلّ وحقّ على المزور
هامش
[ 1 ] في الاحياء « من قعد » .