ثوبا لم يسر من أعضائه أثر إلى قلبه لتأكيد الرّقّة ، وكذلك من سجد غافلا وهو مشغول الهمّ بأغراض الدّنيا لم يسر من جبهته ووضعها على الأرض أثر إلى قلبه يتأكَّد به التواضع وكان وجوده كعدمه وما يساوي وجوده عدمه بالإضافة إلى الغرض المطلوب منه يسمّى باطلا فيقال : العبادة بغير نيّة باطلة وهذا معناه إذا فعل عن غفلة فإن قصد به رياء أو تعظيم شخص آخر لم يكن وجوده كعدمه بل زاده شرّا فإنّه لم يؤكَّد الصفة المطلوب تأكيدها بل آكد الصفة المطلوب قمعها وهي صفة الرّياء الَّتي هي من الميل إلى الدّنيا فهذا وجه كون النيّة خيرا من العمل وبهذا يعرف معنى قوله عليه السّلام : « من همّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة » لأنّ همّ القلب هو ميله إلى الخير وانصرافه عن الهوى وحبّ الدّنيا وهو غاية الحسنات وإنّما الإتمام بالعمل يزيدها تأكيدا فليس المقصود من إرادته دم القربان الدّم واللَّحم بل ميل القلب عن حبّ الدّنيا وبذلها إيثارا لوجه اللَّه عزّ وجلّ وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النيّة والهمّة وإن عاق عن العمل عائق فلن ينال اللَّه لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ، والتقوى ههنا أعني في القلب ولذلك قال عليه السّلام : « إنّ قوما بالمدينة وقد شاركونا في الجهاد » كما رويناه لأنّ قلوبهم في صدق إرادة الخير وبذل المال والنفس والرّغبة في طلب الشهادة وإعلاء كلمة اللَّه عزّ وجلّ كقلوب الخارجين في الجهاد وإنّما فارقوهم بالأبدان لعوائق تخصّ الأسباب الخارجة عن القلب وذلك غير مطلوب إلا لتأكيد هذه الصفات . وبهذا يفهم جميع الأحاديث الَّتي أوردناها في فضيلة النيّة فأعرضها عليها لتنكشف لك أسرارها فلا نطول بالإعادة .
* ( بيان تفصيل الاعمال المتعلَّقة بالنيّة ) *
اعلم أنّ الأعمال وإن انقسمت أقساما كثيرة من فعل وقول وحركة وسكون وجلب نفع ودفع ضرّ وفكر وذكر وغير ذلك ممّا لا يتصوّر إحصاؤه واستقصاؤه فهي ثلاثة أقسام معاصي وطاعات ومباحات .
القسم الأوّل المعاصي وهي لا يتغيّر موضوعاتها بالنيّة فلا ينبغي أن يفهم الجاهل
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 113
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١١٣