مختلفة الآثار فيهما ، وفهم أثر كلّ واحد وقاس البعض بالبعض فالطاعات غذاء القلوب والمقصود شفاؤها وبقاؤها وسلامتها في الآخرة وسعادتها وتنعّمها بلقاء اللَّه عزّ وجلّ فالمقصود لذّة السعادة بلقاء اللَّه تعالى فقطَّ ولن يتنعّم بلقاء اللَّه تعالى إلا من مات محبّا للَّه عارفا باللَّه ولن يحبّه إلا من عرفه ولن يأنس به إلا من طال ذكره له والأنس يحصل بدوام الذّكر والمعرفة تحصل بدوام الفكر والمحبّة تتبع المعرفة بالضرورة ، ولن يتفرّغ القلب لدوام الذّكر والفكر إلا إذا فرغ من شواغل الدّنيا ولن يتفرّغ من شواغلها إلا إذا انقطع عن شهواتها حتّى يصير مائلا إلى الخير مريدا له نافرا عن الشرّ مبغضا له وإنّما يميل إلى الخيرات والطاعات إذا علم أنّ سعادته في الآخرة منوطة بهما كما يميل العاقل إلى الفصد والحجامة لعلمه بأنّ سلامته فيهما وإذا حصل أصل الميل بالمعرفة فإنّما يقوى بالعمل بمقتضي الميل والمواظبة عليه فإنّ المواظبة على مقتضى صفات القلب وإرادتها بالعمل تجري مجرى الغذاء والقوت لتلك الصفة حتّى تترسّخ الصفة وتقوى بسببها فالمائل إلى طلب العلم أو طلب الرّئاسة لا يكون ميله في الابتداء إلا ضعيفا فإن اتّبع مقتضى الميل واشتغل بالعلم وتربية الرّئاسة والأعمال المطلوبة لها تأكَّد ميله ورسخ وعسر عليه النزوع وإن خالف مقتضى ميله ضعف ميله وانكسر وربّما زال وانمحق بل الَّذي ينظر إلى وجه حسن مثلا فيميل إليه طبعه ميلا ضعيفا فلو اتّبعه وعمل بمقتضاه فدوام على النظر والمجالسة والمخالطة والمجاورة تأكَّد ميله حتّى يخرج أمره عن اختياره فلا يقدر على النزوع عنه ولو فطم نفسه ابتداء وخالف مقتضى طبعه وميله لكان ذلك كقطع القوت والغذاء عن صفة الميل ويكون ذلك زجرا ودفعا في وجهه حتّى يضعف وينكسر بسببه أو ينقمع وينمحي وهكذا جميع الصفات والخيرات والطاعات كلَّها هي الَّتي تراد بها الآخرة والشرور كلَّها تراد بها الدّنيا لا الآخرة وميل النفس إلى الخيرات الأخرويّة وانصرافها عن الدّنيا هو الَّذي يفرغها للذّكر والفكر ولن يتأكَّد ذلك إلا بالمواظبة على أعمال الطاعات وترك المعاصي بالجوارح ، لأنّ بين الجوارح وبين القلب علاقة حتّى أنّه يتأثّر كلّ واحد منهما بالآخر فترى العضو إذا أصابته جراحة تألَّم بها
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 111
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١١١