القلب وترى القلب إذا تألَّم بعلمه بموت عزيز من أعزّته أو بهجوم أمر مخوف تأثّرت به الأعضاء وارتعدت الفرائص وتغيّر اللَّون إلا أنّ القلب هو الأصل المتبوع فكأنّه الأمير والرّاعي ، والجوارح كالخدم والرّعاء والاتباع ، فالجوارح خادمة للقلب بتأكيد صفاتها فيها فالقلب هو المقصود والأعصاء آلات موصلة إلى المقصود ولذلك قال عليه السّلام : « إنّ في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد » ( 1 ) وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « اللَّهمّ أصلح الرّاعي والرّعيّة » ( 2 ) وأراد بالرّاعي القلب قال اللَّه تعالى : « لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم » ( 3 ) وهو صفة القلب فمن هذا الوجه يجب لا محالة أن تكون أعمال القلب على الجملة أفضل من حركات الجوارح ثمّ يجب أن تكون النيّة من جملتها أفضل لأنّها عبارة عن ميل القلب إلى الخير وإرادته له وغرضنا من الأعمال بالجوارح أن يعوّد القلب إرادة الخير ويؤكَّد فيه الميل إليه ليفرغ من شهوات الدّنيا ويكبّ على الذّكر والفكر ، فبالضرورة يكون خيرا بالإضافة إلى الغرض لأنّه متمكَّن من نفس المقصود وهذا كما أنّ المعدة إذا تألَّمت فقد تداوى بأن يوضع الطلاء على الصدر وتداوى بالشرب والدّواء الواصل إلى المعدة فالشرب خير من الطلاء للصدر لأنّ طلاء الصدر أيضا إنّما أريد به أن يسري منه الأثر إلى المعدة فما يلاقي في عين المعدة فهو خير وأنقع فهكذا ينبغي أن يفهم تأثير الطاعات كلَّها إذ المطلوب منها تغيّر القلوب وتبدّل صفاتها فقطَّ دون الجوارح فلا تظننّ أنّ في وضع الجبهة على الأرض غرضنا من حيث إنّه جمع بين الجبهة والأرض بل من حيث إنّه بحكم العادة يؤكَّد صفة التواضع في القلب فإنّ من يجد في نفسه تواضعا فإذا استعان بأعضائه وصوّرها بصورة التواضع تأكَّد تواضعه ، ومن وجد في قلبه رقّة على يتيم فإذا مسح رأسه وقبّله تأكَّدت الرّقة في قلبه ولهذا لم يكن العمل بغير نيّة مفيدا أصلا لأنّ من يمسح رأس يتيم وهو غافل بقلبه أو ظانّ أنّه يمسح
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 112
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١١٢
هامش
( 1 ) متفق عليه من حديث نعمان بن بشير .
( 2 ) قال العراقي : لم أجده وقد تقدم .
( 3 ) الحج : 38 .