ومثاله من المحسوس أن يعاون الضعيف الرّجل القويّ على الحمل ولو انفرد القويّ لاستقلّ ولو انفرد الضعيف لم يستقلّ فإنّ ذلك بالجملة يسهل العمل ويؤثّر في تخفيفه ومثاله في غرضنا أن يكون للإنسان ورد في الصلوات وعادة في الصدقات فاتّفق أن حضر في وقتها جماعة من الناس فصار الفعل أخفّ عليه بسبب مشاهدتهم وعلم من نفسه أنّه لو كان منفردا خاليا لم يفتر عن عمله وعلم أنّ عمله لو لم يكن طاعة لم يكن مجرّد الرّياء يحمله عليه فهو شوب تطرّق إلى النيّة ولنسمّ هذا الجنس المعاونة ، فالباعث الثاني إمّا أن يكون رفيقا أو شريكا أو معينا وسنذكر حكمها في باب الإخلاص وغرضنا الآن بيان أقسام النيّات فإنّ العمل تابع للباعث عليه فيكتسب الحكم منه فلذلك قيل : إنّما الأعمال بالنيّات لأنّها تابعة لا حكم لها في نفسها وإنّما الحكم للمتبوع . * ( بيان سرّ قوله عليه السّلام « نية المؤمن خير من عمله ( 1 ) » ) * اعلم أنّه قد يظنّ أنّ سبب هذا الترجيح أنّ النيّة سرّ لا يطَّلع عليه إلا اللَّه تعالى والعمل ظاهر وفعل السرّ أفضل وهذا صحيح ولكن ليس هو المراد لأنّه لو نوى أن يذكر اللَّه تعالى بقلبه أو يتفكَّر في مصالح المسلمين فيقتضي عموم الحديث أن تكون نيّته للتفكَّر خيرا من التفكَّر وقد يظنّ أنّ سبب الترجيح أنّ النيّة تدوم إلى آخر العمل والأعمال لا تدوم وهو ضعيف لأنّ ذلك يرجع معناه إلى أنّ العمل الكثير خير من القليل بل ليس كذلك فإنّ نيّة أعمال الصلاة قد لا تدوم إلا في لحظات معدودة والأعمال تدوم والعموم يقتضي أن يكون نيّته خيرا من عمله ، وقد يقال : معناه أنّ النيّة بمجرّدها خير من العمل بمجرّده دون النيّة وهو كذلك ولكنّه بعيد أن يكون هو المراد إذ العمل بلا نيّة بل على الغفلة لا خير فيه أصلا والنيّة بمجرّدها خير وظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخير بل المعنى به أنّ كلّ طاعة ينتظم بنيّة وعمل وكانت النيّة من جملة الخيرات وكان العمل من جملة الخيرات
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 109
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٠٩
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني من حديث سهل بن سعد والبيهقي في الشعب من حديث أنس بسند ضعيف كما في الجامع الصغير ورواه الكليني في الكافي ج 2 ص 84 .