تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠

القيامة بحكم اللَّه به عليه كمن أتلف في الدّنيا مالا فجاء بمثله فامتنع من له المال عن القبول وعن الإبراء فإنّ الحاكم يحكم عليه بالقبض عنه شاء أم أبى فكذلك يحكم في صعيد القيامة أحكم الحاكمين وأعدل المقسطين وفي المتّفق عليه من الصحيحين ( 1 ) عن أبي سعيد الخدري أنّ نبيّ اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : « كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعا وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض وأزهدهم فدلّ على راهب ، فأتاه فقال : إنّه قتل تسعا وتسعين نفسا فهل له من توبة فقال : لا فقتله فكمل به مائة ثمّ سأل عن أعلم أهل الأرض فدلّ على رجل عالم فقال له : إنّه قتل مائة نفس فهل له من توبة فقال : نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإنّ بها ناسا يعبدون اللَّه فاعبد اللَّه معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنّها أرض سوء فانطلق حتّى إذا بلغ نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرّحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى اللَّه وقالت ملائكة العذاب : إنّه لم يعمل خيرا قطَّ فأتاهم ملك في صورة آدميّ فجعلوه حكما بينهم فقال : قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيّتهما كان أدنى فهو له فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض الَّتي أراد فقبضته ملائكة الرّحمة » وفي رواية « فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر فجعل من أهلها » وفي رواية « فأوحى اللَّه إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي ، وقال : قيسوا ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له » فبهذا يعرف أنّه لا خلاص إلا برجحان ميزان الحسنات ولو بمثقال فلا بدّ للتائب من تكثير الحسنات . هذا حكم القصد المتعلَّق بالماضي . وأمّا العزم المرتبط بالاستقبال فهو أن يعقد مع اللَّه عقدا مؤكَّدا أو يعاهده بعهد وثيق أن لا يعود إلى تلك الذنوب ولا إلى أمثالها كالَّذي يعلم في مرضه أنّ الفاكهة تضرّه مثلا فيعزم عزما جزما أنّه لا يتناول الفاكهة ما لم يزل مرضه فإنّ هذا العزم يتأكَّد في الحال وإن كان يتصوّر أن تغلبه الشهوة في ثاني الحال ، ولكن لا يكون تائبا ما لم يتأكَّد عزمه في الحال ولا يتصوّر أن يتمّ ذلك للتائب في أوّل

هامش
( 1 ) راجع صحيح البخاري وصحيح مسلم ج 8 ص 104 .