« إنّه يدخل الرّحم فيأخذ النطفة في يده ثمّ يصوّرها جسدا فيقول : يا ربّ أذكر أم أنثى أسويّ أم معوّج فيقول اللَّه ما شاء ويخلق الملك » ( 1 ) وفي لفظ آخر « ويصوّر الملك ثمّ ينفخ فيها الرّوح بالسعادة أو بالشقاوة » وقد قال بعض السلف : إنّ الملك الَّذي يقال له الرّوح هو الَّذي يولج الأرواح في الأجسام وأنّه يتنفّس بوصفه فيكون كلّ نفس من أنفاسه روحا يلج في جسم ولذلك سمّى روحا ، وما ذكره من مثل هذا الملك وصفته فهو حقّ شاهده أرباب القلوب ببصائرهم فأمّا كون الرّوح عبارة عنه فلا يمكن أن يعلم إلا بالنقل ، والحكم به دون النقل تخمين مجرّد وكذلك ذكر اللَّه تعالى في القرآن من الأدلَّة والآيات في الأرض والسماوات ثمّ قال : « أو لم يكف بربّك أنّه على كلّ شيء شهيد » ( 2 ) وقال : « شهد اللَّه أنّه لا إله إلا هو » ( 3 ) فبيّن أنّه الدّليل على نفسه وذلك ليس بمتناقض بل طرق الاستدلال مختلفة فكم من طالب عرف اللَّه بالنظر إلى الموجودات وكم من طالب عرف الموجودات باللَّه كما قال بعضهم : عرفت ربّي بربّي ولولا ربّي لما عرفت ربّي . وهو معنى قوله : « أولم يكف بربّك أنّه على كلّ شيء شهيد » وقد وصف اللَّه نفسه بأنّه المحيي والمميت وفوّض الموت والحياة إلى ملكين ففي الخبر « إنّ ملك الموت وملك الحياة تناظرا ، فقال ملك الموت : أنا أميت الأحياء وقال ملك الأحياء : أنا أحيي الموتى فأوحى إليهما كونا على عملكما وما سخّرتكما له من الصنع وإنّما أنا المميت والمحيي لا مميت ولا محيي سواي » فإذن الفعل يستعمل على وجوه مختلفة فلا تتناقض هذه المعاني إذا فهمت ، ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم للَّذي ناوله التمرة : « خذها لو لم تأتها لأتتك » ( 4 ) أضاف الإتيان إليه وإلى التمرة ومعلوم أنّ التمرة لا تأتي على الوجه الَّذي يأتي الإنسان إليها وكذلك لمّا قال التائب أتوب إلى اللَّه تعالى ولا أتوب إلى محمّد فقال عليه السّلام : « عرف الحقّ لأهله » ( 5 ) فكلّ من أضاف الكلّ إلى اللَّه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 402
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٠٢
هامش
( 1 ) أخرجه البزار وابن عدي من حديث عائشة كما في المغني .
( 2 ) فصلت : 53 .
( 3 ) آل عمران : 18 .
( 4 ) أخرجه ابن حبان في كتاب روضة العقلاء من رواية هذيل بن شرحبيل ووصله الطبراني عن هذيل عن ابن عمر ورجاله رجال الصحيح ( المغني ) .
( 5 ) أخرجه أحمد والطبراني من حديث الأسود بن السريع بسند ضعيف .