تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
أزعجني وأرهقني [ 1 ] إلى ما تراه مني ، فكانت لي قوّة على مساعدته ولم يكن لي قوّة على مخالفته وهذا الموكَّل يسمّى الإرادة ولا أعرفه إلا باسمه وبهجومه وصياله [ 2 ] إذ أزعجني من غمرة النوم وأرهقني إلى ما كان لي مندوحة عنه لو خلاني ورائي فقال : صدقت ثمّ سأل الإرادة ما الَّذي حداك على هذه القدرة الساكنة المطمئنّة حتّى صرفتها إلى التحريك وأرهقتها إليه إرهاقا لم تجد عنه مخلصا ومناصا ، فقالت الإرادة لا تعجل عليّ فلعلّ لنا عذرا وأنت تلوم فإنّي ما انتهضت بنفسي ولكنّي أنهضت وما انبعثت ولكنّي بعثت بحكم قاهر وأمر جازم فقد كنت ساكنة قبل مجيئه ولكن ورد عليّ من حضرة القلب رسول العلم على لسان العقل بالإشخاص للقدرة فأشخصتها باضطرار فإنّي مسكين مسخّر تحت قهر العلم والعقل ولا أدري بأيّ جرم وقفت عليه وسخّرت له وألزمت طاعته لكنّي أدري أنّي في دعة وسكون ما لم يرد عليّ هذا الوارد القاهر وهذا الحاكم العادل أو الظالم وقد وقفت عليه وقفا وألزمت طاعته إلزاما بل لا يبقى لي معه مهما جزم حكمه طاقة في المخالفة لعمري ما دام هو في التردّد على نفسه والتحيّر في حكمه فأنا ساكنة لكن مع استشعار وانتظار لحكمه ، فإذا انجزم حكمه أزعجت بطبع وقهر تحت طاعته وأشخصت القدرة ليقوم بموجب حكمه ، فسل العلم عن شأني ودع عنّي عتابك فإنّي كما قيل : متى ترحّلت عن قوم وقد قدروا * ألا تفارقهم فالرّاحلون هم فقال : صدقت ، وأقبل على العلم والعقل والقلب مطالبا ومعاتبا إيّاهم على استنهاض الإرادة وترشيحها لإشخاص القدرة فقال العقل له : أمّا أنا فسراج ما اشتعلت بنفسي ولكنّي أشعلت ، وقال القلب : أمّا أنا فلوح ما انبسطت بنفسي ولكنّي بسطت ، وقال العلم : إنّما أنا نقش نقشت في بياض لوح القلب لمّا أشرق سراج العقل وما انخططت بنفسي ولكنّي خططت ، فكم كان هذا اللَّوح قبلي خاليا عنّي فسل القلم عنّي فإنّ الخطَّ لا يكون إلا بالقلم فعند هذا تتعتع السائل [ 3 ] ولم يقنعه
هامش
[ 1 ] أرهقه اثما : كلفه إياه وأرهقه أي حمله مالا يطيق . [ 2 ] صال عليه يصول صيالا : سطا عليه وقهره . [ 3 ] تعتع في الكلام تردد فيه من حصر أوعى .