تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
غفلتنا وقسوتنا ، فلا قرب الرّحيل ينبّهنا ، ولا كثرة الذّنوب تحرّكنا ، ولا مشاهدة أحوال الخائفين تخوّفنا ، ولا خطر الخاتمة يزعجنا ، فنسأل اللَّه تعالى أن يتدارك بفضله وجوده أحوالنا فيصلحنا إن كان تحريك اللَّسان بمجرّد السؤال دون الاستعداد ينفعنا ومن العجائب أنّا إذا أردنا المال في الدّنيا زرعنا وغرسنا واتّجرنا وركبنا البحار والبراري وخاطرنا وإن أردنا طلب رتبة العلم تفقّهنا وتعبنا في حفظه وتكراره وسهرنا ونجتهد في طلب أقواتنا ولا نثق بضمان اللَّه لنا ولا نجلس في بيوتنا فنقول : اللَّهمّ ارزقنا ، ثمّ إذا طمحت أعيننا نحو الملك الدّائم المقيم قنعنا بأن نقول بألسنتنا : اللَّهمّ اغفر لنا وارحمنا ، والَّذي إليه رجاؤنا وبه اغترارنا ينادينا ويقول : « وأن ليس للإنسان إلا ما سعى » « ولا يغرّنّكم باللَّه الغرور » « يا أيّها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم » كلّ ذلك لا ينبّهنا ولا يخرجنا عن أودية غرورنا وأمانينا ، فما هذه إلا محنة هائلة إن لم يتفضّل اللَّه علينا بتوبة نصوح تداركنا بها ويجيرنا فنسأل اللَّه تعالى أن يتوب علينا بل نسأله أن يشوّق إلى التوبة سرائر قلوبنا وأن لا يجعل حركة اللَّسان بسؤال التوبة غاية حظَّنا فنكون ممّن يقول ولا يعمل ويسمع ولا يقبل إذا سمعنا الوعظ بكينا وإذا جاء وقت العمل بما سمعناه عصينا فلا علامة للخذلان أعظم من هذا . فنسأل اللَّه تعالى أن يمنّ علينا بالتوفيق والرّشد علينا بمنّه وفضله ، ولنقتصر من حكاية أحوال الخائفين على ما أوردنا فإنّ القليل من هذا يصادف القلب القابل فيكفي والكثير منه وإن أفيض على القلب الغافل فلا يغني ، ولقد صدق الرّاهب الَّذي حكي عنه عيسى بن مالك الخولاني وكان من خيار العبّاد أنّه رآه على باب بيت المقدّس واقفا كهيئة المحزون من شدّة الوله ما يكاد يرقأ دمعه من كثرة البكاء قال عيسى : فلمّا رأيته هالني منظره فقلت : أيّها الرّاهب أوصني بوصيّته أحفظها عنك ، فقال : يا أخي بما ذا أوصيك إن استطعت أن تكون بمنزلة رجل قد احتوشته السباع والهوامّ فهو خائف حذر يخاف أن يغفل فيفترسه السباع أو يسهو فتنهشه الهوامّ فهو مذعور القلب وجل فهو في المخافة في ليله وإن أمن المغترّون ، وفي الحزن في نهاره وإن فرح البطَّالون فافعل ، ثمّ ولَّى وتركني فقلت : لو زدتني شيئا عسى