وسقط فاضطرب قعدتا على صدره وعلى رجليه مخافة أن يتفرّق أعضاؤه ومفاصله فيموت .
وقال ابن عمر : دخل يحيى بن زكريّا عليهما السّلام بيت المقدّس وهو ابن ثمان سنين فنظر إلى عبّادهم قد لبسوا مدارع الشعر والصوف ونظر إلى مجتهديهم قد خرقوا التراقي وسلكوا فيها السلاسل وشدّوا أنفسهم إلى أطراف بيت المقدس فهاله ذلك فرجع إلى أبويه فمرّ بصبيان يلعبون فقالوا له : يا يحيى هلمّ بنا لنلعب فقال : إنّي لم اخلق للَّعب قال : فأتى أبويه فسألهما أن يدرّعاه الشعر ففعلا فرجع إلى بيت المقدس وكان يخدمه نهارا ويصبح فيه ليلا حتّى أتت عليه خمس عشرة سنة فخرج ولزم أطواد الأرض وغير ان الشعاب فخرج أبواه في طلبه فأدركاه على بحيرة الأردن وقد انقطع رجليه في الماء حتّى كاد العطش يذبحه وهو يقول : وعزّتك وجلالك لا أذوق بارد الشراب حتّى أعلم أين مكاني منك فسأله أبواه أن يفطر على قرص كان معهما من شعير ويشرب من ذلك الماء ففعل وكفّر عن يمينه فمدح بالبرّ فردّه أبواه إلى بيت المقدس فكان إذا قام يصلَّي بكى حتّى يبكي معه الشجر والمدر ويبكي زكريّا عليه السّلام لبكائه حتّى يغمى عليه فلم يزل يبكي حتّى خرقت دموعه لحم خدّيه وبدت أضراسه للناظرين فقالت له أمّه : يا بنيّ لو أذنت لي أن أتّخذ لك شيئا تواري به أضراسك عن الناظرين ، فأذن لها فعمدت إلى قطعتي لبود فألصقتهما على خدّيه فكان إذا قام يصلَّي بكى فإذا استنقعت دموعه في القطعتين أتت إليه أمّه فعصرتهما فإذا رأى دموعه تسيل على ذراعي أمّه قال : اللَّهمّ هذه دموعي وهذه أمّي وأنا عبدك وأنت أرحم الرّاحمين ، فقال له زكريّا : يا بنيّ إنّما سألت ربّي أن يهبك لي لتقرّ عيناي فقال يحيى : يا أبت إنّ جبرئيل أخبرني أنّ بين الجنّة والنّار مفازة لا يقطعها إلا كلّ بكَّاء قال زكريّا عليه السّلام : فابك يا بنيّ .
أقول : وهذا الحديث رواه شيخنا الصدوق في المجلس الثامن من كتاب عرض المجالس بإسناده عن ابن عمر عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم مع زيادة ونقصان واختلاف في ألفاظه
وروى في المجلس الرّابع والخمسين من طريق الخاصّة عن ليث بن أبي سليم قال : سمعت رجلا من الأنصار يقول : بينما رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم مستظلّ بظلّ شجرة في يوم شديد
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 308
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٠٨