كتاب الفقر والزّهد
وهو الكتاب الرّابع من ربع المنجيات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء
بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم
الحمد للَّه الَّذي ، تسبّح له الرّمال ، وتسجد له الظَّلال ، وتتدكدك [ 1 ] من هيبته الجبال ، خلق الإنسان من الطين اللازب والصلصال ، وزيّن صورته بأحسن تقويم وأتمّ اعتدال ، وعصم قلبه بنور الهداية عن ورطات الضلال ، وأذن له في قرع باب الخدمة بالغدوّ والآصال ، ثمّ كحل بصيرة المخلص في خدمته بنور العبرة حتّى لاحظ بضيائه حضرة الجلال ، فلاح له من البهجة والبهاء والكمال ، ما استقبح دون مبادي إشراقه كلّ حسن وجمال ، فاستثقل كلّ ما صرفه عن مشاهدته وملازمته غاية الاستثقال ، وتمثّل له ظاهر الدّنيا في صورة امرأة جميلة تميس [ 2 ] وتختال ، وانكشف له باطنها عن عجوز شوهاء عجنت من طينة الخزي ، وضربت في قالب النكال ، وهي متلفّقة بجلبابها لتخفي قبائح أسرارها بلطائف السحر والاحتيال وقد نصبت حبائلها في مدارج الرّجال فهي تقتنصهم [ 3 ] بضروب المكر والاغتيال ، ثمّ لا تجتزئ معهم بالخلف في مواعيد الوصال ، بل تقيّدهم مع قطع الوصال بالسلاسل والأغلال ، وتبتليهم بأنواع البلايا والانكال فلمّا انكشف للعارفين منها قبائح الأسرار والأفعال زهدوا فيها زهد المبغض لها فتركوها وتركوا التفاخر والتكاثر بالأموال ، وأقبلوا بكنه هممهم على حضرة الجلال والجمال ، واثقين منه بوصال ليس دونه فصال ، ومشاهدة
هامش
[ 1 ] أي تتهدم .
[ 2 ] ماس الرجل يميس ميسا وميسانا في المشي أي يتمايل ويتبختر .
[ 3 ] أي تصيدهم .