من أمواج البحر ، وإنّما المخوف عند الموت خاطر سوء يخطر فقط وهو الَّذي قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الجنّة خمسين سنة حتّى لا يبقى بينه وبين الجنّة إلا فواق ناقة فيختم له بما سبق به الكتاب » ( 1 ) ولا يتّسع فواق ناقة لأعمال توجب الشقاوة بل هي الخواطر الَّتي تضطرب وتخطر خطور البرق الخاطف ، وقال سهل : رأيت كأنّي دخلت الجنّة فرأيت ثلاثمائة نبيّ فسألتهم ما أخوف ما كنتم تخافون في الدّنيا ؟ قالوا : سوء الخاتمة ولأجل هذا الخطر العظيم كانت الشهادة مغبوطا عليها وكان موت الفجأة مكروها أمّا الموت فجأة فلأنّه ربّما يتّفق عند غلبة خاطر سوء واستيلائه على القلب والقلب لا يخلو عن أمثالها إلى أن يدفع بالكراهة أو بنور المعرفة وأمّا الشهادة فلأنّها عبارة عن قبض الرّوح في حالة لم يبق في القلب سوى حبّ اللَّه وخرج حبّ الدّنيا والأهل والمال والولد وجميع الشهوات عن القلب ، إذ لا يهجم على صفّ القتال موطَّنا نفسه على الموت إلا حبّا للَّه وطالبا لمرضاته ، وبايعا دنياه بآخرته ، وراضيا بالبيع الَّذي بايعه اللَّه به إذ قال تعالى : « إنَّ اللَّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنّة » ( 2 ) والبايع راغب عن المبيع لا محالة ومخرج حبّه من القلب ، ومجرّد حبّ العوض المطلوب في قلبه ، ومثل هذه الحالة قد يغلب في بعض الأحوال ولكن لا يتّفق زهوق الرّوح فيها فصفّ القتال سبب زهوق الرّوح على مثل هذه الحالة ، وهذا فيمن ليس يقصد الغلبة والغنيمة وحسن الصيت بالشجاعة فإنّ من هذا حاله وإن قتل في المعركة فهو بعيد عن مثل هذه الرّتبة كما دلَّت عليه الأخبار . وإذ بان لك معنى سوء الخاتمة وما هو مخوف فيها فاشتغل بالاستعداد لها وواظب على ذكر اللَّه وأخرج من قلبك حبّ الدّنيا واحرس عن فعل المعاصي جوارحك وعن الفكر فبها قلبك واحترز عن مشاهدة المعاصي ومشاهدة أهلها جهدك فإنّ ذلك أيضا يؤثّر في قلبك ويصرف إليه فكرك وخواطرك ، وإيّاك أن تسوّف وتقول : سأستعدّ لها إذا جاءت الخاتمة فإنّ كلّ نفس من أنفاسك خاتمتك
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 302
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٠٢
هامش
( 1 ) روى نحوه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة بسند ضعيف كما في الجامع الصغير وقد تقدم .
( 2 ) التوبة : 111 .