له الخلاص منها وكما أنّ ما يخطر في اليقظة إنّما يخطر بسبب خاصّ يعلمه اللَّه تعالى فكذلك آحاد المنامات لها أسباب عند اللَّه يعرف بعضها ولا يعرف بعضها كما أنّا نعلم أنّ الخاطر ينقل من الشيء إلى ما يناسبه إمّا بالمشابهة وإمّا بالمضادّة ، وإمّا بالمقارنة بأن يكون قد ورد على الحسّ معه ، أمّا المشابهة فبأن ينظر إلى جميل فيتذكَّر جميلا آخر ، وأمّا بالمضادّة فبأن ينظر إلى جميل فيتذكَّر قبيحا ويتأمّل في شدّة التفاوت بينهما ، وأمّا بالمقارنة فبأن ينظر إلى فرس قد رآه من قبل مع إنسان فيتذكَّر ذلك الإنسان وقد ينتقل الخاطر من شيء إلى شيء ولا يدري وجه مناسبته له وإنّما يكون ذلك بواسطة أو واسطتين مثل أن ينتقل من شيء إلى ثان ومنه إلى ثالث ، ثمّ ينسى الثاني ولا يكون بين الثالث والأوّل مناسبة ولكن يكون بينه وبين الثاني مناسبة وبين الثاني والأوّل مناسبة وكذلك لانتقالات الخواطر في المنام أسباب من هذا الجنس وكذا عند سكرات الموت ، ومن أراد أن يكفّ خاطره عن الانتقال إلى المعاصي والشهوات فلا طريق له إلا المجاهدة طول العمر في فطام نفسه عنها وفي قمع الشهوات من القلب ، فهذا هو القدر الَّذي يدخل تحت الاختيار ويكون طول المواظبة على الخير وتخلية النفس عن الشرّ عدّة وذخيرة لحالة سكرات الموت فإنّه يموت المرء على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه ، ولذلك نقل عن بقّال أنّه كان يلقّن عند الموت كلمتي الشهادة وهو يقول : خمسة ستّة أربعة . وكان مشغول النفس بالحساب الَّذي طال فيه إلفه له قبل الموت ، وقال بعض العارفين من السلف :
إنّ العرش جوهرة يتلألأ نورا فلا يكون العبد على حال إلا انطبع مثاله في العرش على الصورة الَّتي كان عليها فإذا كان في سكرات الموت كشفت له صورته من العرش فربّما يرى نفسه على صورة معصية وكذلك يكشف له يوم القيامة فيرى أحوال نفسه فيأخذه من الحياء والخوف ما يجلّ عن الوصف . وما ذكره صحيح وسبب الرّؤيا الصادقة قريب من ذلك فإنّ النائم يدرك ما سيكون في المستقبل من مطالعة اللَّوح المحفوظ وهو جزء من أجزاء النبوّة فإذن رجع سوء الخاتمة إلى أحوال القلب واختلاج الخواطر ومقلَّب القلوب هو اللَّه والاتفاقات المقتضية لسوء الخواطر غير
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 300
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٠٠