تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
داخلة تحت الاختيار دخولا كلَّيّا وإن كان لطول الإلف فيه تأثير ، فلهذا عظم خوف العارفين من سوء الخاتمة لأنّه لو أراد الإنسان أن لا يرى في المنام إلا أحوال الصالحين وأحوال الطاعات والعبادات عسر عليه ذلك وإن كان كثرة الصلاح والمواظبة عليه ممّا يؤثّر فيه ولكن اضطرابات الخيال لا تدخل بالكلَّيّة تحت الضبط وإن كان الغالب مناسبة ما يظهر في النوم لما غلب في اليقظة حتّى سمعت الشيخ أبا علي الفارمذيّ يصف لي وجوب حسن أدب المريد لشيخه وأن لا يكون في قلبه إنكار لكلّ ما يقوله ولا في لسانه مجادلة عليه فقال : حكيت لشيخي أبي القاسم الكرماني مناما لي وقلت : رأيتك أنّك قلت لي كذا ، فقلت لم ذلك ؟ قال : فهجرني شهرا ولم يكلَّمني وقال : لولا أنّه كان في باطنك تجويز المطالبة وإنكار ما أقوله لك لما جرى ذلك على لسانك في المنام وهو كما قال : إذ قلّ ما يرى الإنسان في منامه خلاف ما يغلب في اليقظة على قلبه فهذا هو القدر الَّذي يسمح بذكره في علم المعاملة من أسرار أمر الخاتمة وما وراء ذلك فهو داخل في علم المكاشفة ، وقد ظهر لك بهذا أنّ الأمن من سوء الخاتمة بأن ترى الأشياء كما هي عليه من غير جهل وتزجي جميع العمر في طاعة اللَّه من غير معصية ، فإن كنت تعلم أنّ ذلك محال أو عسير فلا بدّ وأن يغلب عليك من الخوف ما غلب على العارفين حتّى يطول بسببه بكاؤك ونياحتك ويدوم حزنك وقلقك كما سنحكيه من أحوال الأنبياء والأولياء والسلف الصالحين ليكون ذلك أحد الأسباب المهيّجة لنار الخوف من قلبك ، وقد عرفت بهذا أنّ أعمال المرء كلَّها ضائعة إن لم يسلم في النفس الأخير الَّذي عليه خروج الرّوح وأنّ سلامته مع اضطراب أمواج الخواطر مشكل جدّا ، ولذلك كان مطرّف بن عبد اللَّه يقول : إنّي لا أعجب ممّن هلك كيف هلك ولكنّي أعجب ممّن نجا كيف نجا . ولذلك قال حامد اللَّفّاف : إذا صعدت الملائكة بروح المؤمن وقد مات على الخير والإسلام تعجّبت الملائكة منه وقالوا : كيف نجا هذا من دنيا فسد فيها خيارنا ، وبالجملة من وقعت سفينته في لجّة البحر وهجمت عليه الرّياح العاصفة واضطربت الأمواج كانت النجاة في حقّه أبعد من الهلاك ، وقلب المؤمن أشدّ اضطرابا من السفينة وأمواج الخواطر أعظم التطاما