الناس عنده في الغيبة والخيانة والغشّ واضمار السوء ، أو خوف ما لا يدري أنّه يحدث في بقيّة عمره ، أو خوف تعجيل العقوبة في الدّنيا والافتضاح قبل الموت ، أو خوف الاغترار بزخارف الدّنيا ، أو خوف اطَّلاع اللَّه على سريرته في حال غفلته عنه ، أو خوف الختم له عند الموت بخاتمة السوء ، أو خوف السابقة الَّتي سبقت له في الأزل ، فهذه كلَّها مخاوف العارفين ولكلّ واحد خصوص فائدة وهو سلوك سبيل الحذر عمّا يفضي إلى المخوف ، فمن يخاف استيلاء العادة عليه فيواظب على الفطام عن العادة ، والَّذي يخاف من اطَّلاع اللَّه على سريرته يشتغل بتطهير قلبه عن الوساوس وهكذا إلى بقيّة الأقسام وأغلب هذه المخاوف على المتّقين خوف الخاتمة فإنّ الأمر فيه مخطر وأعلى الأقسام وأدلَّها على كمال المعرفة خوف السابقة ، لأنّ الخاتمة تتبع السابقة وفرع يتفرّع عنها بعد تخلَّل أسباب كثيرة ، فالخاتمة تظهر ما سبق به القضاء في أمّ الكتاب والخائف من الخاتمة بالإضافة إلى الخائف من السابقة كرجلين وقع الملك في حقّهما بتوقيع يحتمل أن يكون فيه جزّ الرّقبة ، ويحتمل أن يكون فيه تسليم الوزارة إليه ، ولم يصل التوقيع إليهما بعد فيرتبط قلب أحدهما بحالة وصول التوقيع ونشره وأنّه عمّا ذا يظهر ، ويرتبط قلب الآخر بحالة توقيع الملك وكيفيّته وأنّه ما الَّذي خطر له في حال التوقيع من رحمة أو غضب ، وهذا التفات إلى السبب فهو أعلى من الالتفات إلى ما هو فرع ، فكذلك الالتفات إلى القضاء الأزلي الَّذي جرى بتوقيعه القلم أعلى من الالتفات إلى ما يظهر في الأبد ، وإليه أشار النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حيث كان على المنبر « فقبض كفّه اليمني ، ثمّ قال : هذا كتاب اللَّه كتب فيه أهل الجنّة بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يزاد فيهم ولا ينقص ، ثمّ قبض اليسرى وقال : هذا كتاب اللَّه كتب فيه أهل النار بأسمائهم وأنسابهم لا يزاد فيهم ولا ينقص وليعملنّ أهل السعادة بعمل أهل الشقاء حتّى يقال : كأنّهم منهم بل هم هم ثمّ يستنقذهم اللَّه تعالى قبل الموت ولو بفواق ناقة وليعملنّ أهل الشقاء بعمل أهل السعادة حتّى يقال : كأنّهم منهم بل هم هم ، ثمّ يستخرجهم اللَّه تعالى قبل الموت ولو بفواق ناقة ، السعيد من سعد بقضاء اللَّه والشقي من شقي بقضاء اللَّه والأعمال
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 274
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٧٤