تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
إلى اليأس والقنوط وهو مذموم أيضا لأنّه يمنع من العمل ، والمراد من الخوف ما هو المراد من السوط وهو الحمل على العمل ولولاه لما كان الخوف كمالا لأنّه بالحقيقة نقصان لأنّ منشأه الجهل والعجز ، أمّا الجهل فهو أنّه ليس يدري عاقبة أمره ولو عرف لم يكن خائفا لأنّ المخوف هو الَّذي يتردّد فيه . وأمّا العجز فهو أنّه متعرّض لمحذور لا يقدر على دفعه فإذن هو محمود بالإضافة إلى نقص الآدميّ وإنّما المحمود في نفسه وذاته هو العلم والقدرة وكلّ ما يجوز أن يوصف اللَّه تعالى به وما لا يجوز وصف اللَّه به فليس بكمال في ذاته وإنّما يصير محمودا بالإضافة إلى نقص هو أعظم منه كما يكون احتمال ألم الدّواء محمودا لأنّه أهون من ألم المرض والموت فما يخرج إلى القنوط فهو مذموم وقد يخرج الخوف أيضا إلى المرض والضعف وإلى الوله والدّهشة وزوال العقل وقد يخرج إلى الموت وكلّ ذلك مذموم وهو كالضرب الَّذي يقتل الصبيّ والسوط الَّذي يهلك الدّابة أو يمرضها أو يكسر عضوا من أعضائها وإنّما ذكر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أسباب الرّجاء وأكثر منها ليعالج بها صدمة الخوف المفرط المفضي إلى القنوط أو أحد هذه الأمور فكلّ ما يراد لأمر فالمحمود منه ما يفضي إلى المراد المقصود منه وما يقصر عنه أو يجاوزه فهو مذموم وفائدة الخوف الحذر والورع والتقوى والمجاهدة والعبادة والفكر والذّكر وسائر الأسباب الموصلة إلى اللَّه تعالى وكلّ ذلك يستدعي الحياة مع صحّة البدن وسلامة العقل فكلّ ما يقدح هذه الأسباب فهو مذموم ، فإن قلت : من خاف فمات من خوفه فهو شهيد فكيف يكون حاله مذموما ، فاعلم أنّ معنى كونه شهيدا أنّ له رتبة بسبب موته من الخوف كان لا ينالها لو مات في ذلك الوقت لا بسبب الخوف فهو بالإضافة إليه فضيلة فأمّا بالإضافة إلى تقدير بقائه وطول عمره في طاعة اللَّه وسلوك سبيله فليس بفضيلة بل للسالك سبيل اللَّه بطريق الفكر والمشاهدة والترقّي في درجات المعارف في كلّ لحظة رتبة شهيد أو شهداء ولولا هذا لكانت رتبة صبيّ يقتل أو مجنون يفترسه سبع أعلى من رتبة نبيّ أو وليّ يموت حتف أنفه وهو محال فلا ينبغي أن يظنّ هذا بل أفضل السعادات طول العمر في طاعة اللَّه فكلّ ما أبطل