أمّا الاعتبار فسبيله أنّ فضيلة الشيء بقدر إعانته في الإفضاء إلى سعادة لقاء اللَّه إذ لا مقصود سوى السعادة ولا سعادة للعبد إلا في لقاء اللَّه مولاه والقرب منه فكلّ ما أعان عليه فله فضيلة وفضيلته بقدر إعانته وقد ظهر أنّه لا وصول إلى سعادة لقاء اللَّه في الآخرة إلا بتحصيل محبّته والأنس به في الدّنيا ولا تحصل المحبّة إلا بالمعرفة ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر ولا يحصل الأنس إلا بالمحبّة ودوام الذّكر ولا تتيسّر المواظبة على الذّكر والفكر إلا بانقلاع حبّ الدّنيا من القلب ولا ينقلع ذلك إلا بترك لذّات الدّنيا وشهواتها ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات ولا تنقمع الشهوة بشيء كما تنقمع بنار الخوف والخوف هو النار المحرقة للشهوات فإذن فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوة وبقدر ما يكفّ عن المعاصي ويحثّ على الطاعات ، ويختلف ذلك باختلاف درجات الخوف كما سبق ، وكيف لا يكون الخوف ذا فضيلة وبه تحصل العفّة والورع والتقوى والمجاهدة وهي الأعمال الفاضلة المحمودة الَّتي يتقرّب بها إلى اللَّه تعالى زلفى ، وأمّا بطريق الاقتباس من الآيات والأخبار ، فما ورد في فضيلة الخوف خارج عن الحصر وناهيك دلالة على فضيلته جمع اللَّه تعالى للخائفين الهدى والرحمة والعلم والرّضوان وهي مجامع مقامات أهل الجنان قال اللَّه تعالى : « هدى ورحمة للَّذين هم لربّهم يرهبون » ( 1 ) وقال تعالى : « إنّما يخشى اللَّه من عباده العلماء » ( 2 ) فوصفهم للعلم بخشيتهم وقال تعالى : « رضي اللَّه عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربّه » ( 3 ) وكلّ ما دلّ على فضيلة العلم دلّ على فضيلة الخوف لأنّ الخوف ثمرة العلم ولذلك جاء في خبر موسى عليه السّلام : وأمّا الخائفون فإنّ لهم الرّفيق الأعلى لا يشاركون فيه ، فانظر كيف أفردهم بمرافقة الرّفيق الأعلى وذلك لأنّهم العلماء والعلماء لهم رتبة مرافقة الأنبياء لأنّهم ورثة الأنبياء ، ومرافقة الرّفيق الأعلى للأنبياء ومن يلحق بهم ولذلك لمّا خيّر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في مرض موته بين البقاء في الدّنيا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 276
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٧٦
هامش
( 1 ) الأعراف : 154 .
( 2 ) فاطر : 28 .
( 3 ) البينة : 8 .