تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
* ( الشطر الثاني من الكتاب في الخوف ) * وفيه بيان حقيقة الخوف وبيان درجات الخوف ، وبيان أقسام المخاوف ، وبيان فضيلة الخوف ، وبيان الأفضل من الخوف والرّجاء ، وبيان دواء الخوف ، وبيان معنى سوء الخاتمة ، وبيان أحوال الخائفين من الأنبياء والصالحين . * ( بيان حقيقة الخوف ) * اعلم أنّ الخوف عبارة عن تألَّم القلب واحتراقه بسبب توقّع مكروه في الاستقبال وقد ظهر هذا في بيان حقيقة الرّجاء ومن أنس باللَّه وملك الحقّ قلبه وصار ابن وقته مشاهدا لجمال الحقّ على الدّوام لم يبق له التفات إلى المستقبل فلم يكن له خوف ولا رجاء بل صار حاله أعلى من الخوف والرّجاء فإنّهما زمامان يمنعان النفس عن الخروج إلى رعوناتها وإلى هذا أشار الواسطيّ حيث قال : الخوف حجاب بين اللَّه وبين العبد ، وقال أيضا : إذا ظهر الحقّ على السرائر لا يبقى فيها فضلة لرجاء ولا خوف ، وبالجملة فالمحبّ إذا شغل قلبه في مشاهدة المحبوب بخوف الفراق كان ذلك نقصا في الشهود ، وإنّما دوام الشهود غاية المقامات ولكنّا الآن إنّما نتكلَّم في أوائل المقامات ، فنقول : حال الخوف ينتظم أيضا من علم وحال وعمل : أمّا العلم فهو العلم بالسبب المفضي إلى المكروه وذلك كمن جنى على ملك ثمّ وقع في يده فيخاف القتل مثلا ويجوّز العفو والافلات ولكن يكون تألَّم قلبه بالخوف بحسب قوّة علمه بالأسباب المفضية إلى قتله وهو تفاحش جنايته وكون الملك في نفسه حقودا غضوبا منتقما ، وكونه محفوفا بمن يحثّه على الانتقام خاليا عمّن يتشفّع إليه في حقّه ، وكان هذا الخائف عاطلا عن كلّ وسيلة وحسنة تمحو أثر جنايته عند الملك ، فالعلم بتظاهر هذه الأسباب سبب لقوّة الخوف وشدّة تألَّم القلب ، وبحسب ضعف هذه الأسباب يضعف الخوف . فالعلم بأسباب المكروه هو السبب الباعث المثير لاحتراق القلب وتألَّمه ، وذلك الاحتراق هو الخوف وكذا الخوف من اللَّه تعالى تارة يكون بمعرفة اللَّه تعالى ومعرفة صفاته ، وتارة يكون