لا استعمال الأخرق الَّذي يظنّ أنّ كلّ شيء من الأدوية صالح لكلّ مريض كيف ما كان ، وحال الرّجاء يغلب بفنّين أحدهما الاعتبار والآخر استقراء الآيات والأخبار والآثار .
أمّا الاعتبار فهو أن يتأمّل جميع ما ذكرناه في أصناف النعم من كتاب الشكر حتّى إذا علم لطائف نعم اللَّه لعباده في الدّنيا وعجائب حكمه الَّتي راعاها في فطرة الإنسان حتّى أعدّ له في الدّنيا كلّ ما هو ضروريّ له في دوام الوجود كآلات الغذاء وما هو محتاج إليه كالأصابع والأظفار وما هو زينة له كاستقواس الحاجبين واختلاف ألوان العينين وحمرة الشفتين وغير ذلك ممّا كان لا ينثلم بفقده غرض مقصود ، وإنّما كان يفوت به مزيّة جمال فالعناية الإلهيّة إذا لم تقصر عن عباده في أمثال هذه الدّقائق حتّى لم يرض لعباده أن يفوتهم المزائد والمزايا في الزّينة والحاجة كيف يرضى بسياقهم إلى الهلاك المؤبّد ، بل إذا نظر الإنسان نظرا شافيا علم أنّ أكثر الخلق قد هيّئ له أسباب السعادة في الدّنيا حتّى أنّه يكره الانتقال من الدّنيا بالموت وإن أخبر بأنّه لا يعذّب بعد الموت أبدا مثلا أو لا يحشر أصلا ، فليست كراهتهم للعدم إلا لأنّ أسباب النعم أغلب لا محالة وإنّما الَّذي يتمنّى الموت نادر ثمّ لا يتمنّاه إلا في حالة نادرة وواقعة هاجمة غريبة فإذا كان حال أكثر الخلق في الدّنيا الغالب عليه الخير والسّلامة ، فسنّة اللَّه لا تجد لها تبديلا فالغالب أنّ أمر الآخرة هكذا يكون لأنّ مدبّر الدّنيا والآخرة واحد وهو غفور رحيم لطيف بعباده متعطَّف عليهم ، فهذا إذا تأمّل حقّ التأمّل قوى به أسباب الرّجاء .
ومن الاعتبار أيضا النظر في حكمة الشريعة وسننها في مصالح الدّنيا ووجه الرّحمة للعباد بها حتّى كان بعض العارفين يرى آية المداينة في البقرة من أقوى أسباب الرّجاء ، فقيل له : وما فيها من الرّجاء ؟ فقال : الدّنيا كلَّها قليل ورزق الإنسان منها قليل والدّين قليل من رزقه ، فانظر كيف أنزل اللَّه تعالى فيه أطول آية ليهدي عبده إلى طريق الاحتياط في حفظ دينه فكيف لا يحفظ دينه الَّذي لا عوض له منه .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 257
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٥٧