تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
أنّ معنى الشكر أن يستعمل النعمة في إتمام الحكمة الَّتي أريدت بها وهي طاعة اللَّه تعالى فلا يمنع من الشكر بعد حصول هاتين المعرفتين إلا غلبة الشهوة واستيلاء الشيطان ، أمّا الغفلة عن النعم فلها أسباب ، وأحد أسبابها أنّ الناس بجهلهم لا يعدّون ما يعمّ الخلق ويسلم لهم في جميع أحوالهم نعمة فلذلك لا يشكرون على جملة ما ذكرناه من النعم لأنّها عامّة للخلق مبذولة لهم في جميع أحوالهم فلا يرى كلّ واحد لنفسه اختصاصا به فلا يعدّه نعمة فلا تراهم يشكرون اللَّه على روح الهواء ولو أخذ بمختنقهم لحظة حتّى انقطع الهواء عنهم ماتوا ولو حبسوا في بيت حمّام فيه هواء حارّ أو في بئر فيه هواء ثقل برطوبة الماء ماتوا غمّا ، فإن ابتلي واحد منهم بشيء من ذلك ثمّ نجا منه ربّما قدّر ذلك نعمة وشكر اللَّه عليه وهذا غاية الجهل إذ صار شكرهم موقوفا على أن تسلب عنهم النعمة ثمّ تردّ عليهم في بعض الأحوال والنعمة في جميع الأحوال أولى بأن تشكر من النعمة في بعضها ، فلا ترى البصير يشكر صحّة بصره إلى أن تعمى عينه فعند ذلك لو أعيد عليه أحسّ به وشكره وعدّه نعمة ، ولمّا كانت رحمة اللَّه واسعة عمّم الخلق وبذل لهم في جميع الأحوال فلم يعدّه الجاهلون نعمة ، وهذا الجاهل مثل العبد السوء حقّه أن يضرب دائما حتّى إذا ترك ضربه ساعة تقلَّد ذلك منّة ، فإن ترك ضربه على الدّوام غلب عليه البطر وترك الشكر فصار الناس لا يشكرون إلا المال الَّذي يتطرّق الاختصاص إليه من حيث الكثرة والقلَّة ، وينسون جميع نعم اللَّه تعالى عليهم . كما حكي أنّ بعضهم شكا فقره إلى بعض أرباب البصائر وأظهر شدّة اغتمامه به فقال له : أيسرّك أنّك أعمى ولك عشرة آلاف درهم ؟ فقال : لا ، فقال : أيسرّك أنّك أخرس ولك عشرة آلاف ؟ قال : لا ، فقال : أيسرّك أن تكون أقطع اليدين والرّجلين ولك عشرون ألفا ؟ قال : لا ، قال : أيسرّك أن تكون مجنونا ولك عشرة آلاف ؟ قال : لا ، فقال : أما تستحيي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفا . وحكي أنّ بعض القرّاء اشتدّ به الفقر حتّى ضاق به ذرعا فرأى في المنام كأنّ قائلا يقول له : تودّ أنّا أنسيناك سورة الأنعام وأنّ لك ألف دينار ؟ قال :
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 218 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري