تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥

وطاعتهم للَّه تعالى من حيث لا مجال للمخالفة فيهم يمكن أن تشبه بطاعة أطرافك لك فإنّك مهما جزمت الإرادة بفتح الأجفان لم يكن للجفن الصحيح تردّد واختلاف في طاعتك مرّة ومعصيتك أخرى بل كأنّه منتظر لأمرك ونهيك ينفتح وينطبق متّصلا بإشارتك فهذا يشبه به من وجه ولكن يخالفه من وجه إذ الجفن لا علم له بما يصدر منه من الحركات فتحا وانطباقا ، والملائكة أحياء عالمون بما يفعلون ، فإذن هذه هي نعمة اللَّه عليك في الملائكة الأرضيّة والسماويّة وحاجتك إليهما في غرض الأكل فقط دون ما عداها من الحركات والحاجات كلَّها فإنّا لم نطوّل بذكرها ، فهذه طبقة أخرى من طبقات النعم ومجامع الطبقات لا يمكن إحصاؤها ، فكيف آحاد ما يدخل تحت مجامع الطبقات ؟ فإذن قد أسبغ اللَّه عليك نعمه ظاهرة وباطنة ثمّ قال : « وذروا ظاهر الإثم وباطنه » ( 1 ) فترك باطن الإثم ممّا لا يعرفه الخلق من الحسد وسوء الظنّ والبدعة وإضمار الشرّ للناس إلى غير ذلك من آثام القلوب هو الشكر للنعم الباطنة وترك الإثم الظاهر بالجوارح شكر للنعم الظاهرة ، بل أقول : كلّ من عصى اللَّه ولو في طرفة واحدة بأن فتح جفنه مثلا حيث يجب غضّ البصر فقد كفر نعمة اللَّه تعالى عليه في السماوات والأرض وما بينهما ، فإنّ كلّ ما خلقه اللَّه حتّى الملائكة والسماوات والأرض والحيوان والنبات بجملته نعمة على كلّ واحد من العباد قد تمّ به انتفاعه وإن انتفع به غيره أيضا فإنّ للَّه تعالى في كلّ تطريفة بالجفن نعمتين في نفس الجفن إذ خلق تحت كلّ جفن عضلات ولها أوتار ورباطات متّصله بأعصاب الدّماغ بها يتمّ انخفاص الجفن الأعلى وارتفاع الجفن الأسفل وعلى كلّ جفن شعرات سود ونعمة اللَّه في سوادها أنّها تجمع ضوء العين إذ البياض يفرّق الضوء والسواد يجمعه ونعمة اللَّه في ترتيبها صفّا واحدا أن يكون مانعا للهوامّ من الدّبيب إلى باطن العين ومتشبّثا للأقذاء الَّتي تتناثر في الهواء وله في كلّ شعرة منها نعمتان من حيث لين أصلها ومع اللَّين تقويم نصبها وله في اشتباك الأهداب نعمة أعظم من الكلّ ، وهو أنّ غبار الهواء قد يمنع من

هامش
( 1 ) الانعام : 120 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 215 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري