تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢

سبلنا » ( 1 ) لما اهتدينا إلى معرفة هذه النبذة اليسيرة من نعم اللَّه تعالى ، ولولا عزله إيّانا عن أن نطمح بعين الطمع إلى الإحاطة بكنه نعمه لتشوّفنا إلى طلب الإحاطة والاستقصاء ولكنّه عزلنا بحكم القهر والقدرة فقال : « وإن تعدّوا نعمة اللَّه لا تحصوها » ( 2 ) فإن تكلَّمنا فبإذنه انبسطنا وإن سكتنا فبقهره انقبضنا إذ لا معطي لمّا منع ، ولا مانع لما أعطى ، لأنّا في كلّ لحظة من لحظات العمر قبل الموت نسمع بسمع القلوب نداء الملك الجبّار « لمن الملك اليوم للَّه الواحد القهّار » فالحمد للَّه الَّذي ميّزنا عن الكفّار وأسمعنا هذا النداء قبل انقضاء الأعمار . الطرف الثامن في بيان نعمة اللَّه تعالى في خلق الملائكة : ليس بخفيّ عليك ما سبق من نعمة اللَّه في الملائكة بإصلاح الأنبياء وهدايتهم وتبليغ الوحي إليهم ولا تظننّ أنّهم مقتصرون في أفعالهم على ذلك القدر ، بل طبقات الملائكة مع كثرتها وترتيب مراتبها تنحصر بالجملة في ثلاث طبقات الملائكة الأرضيّة ، والسماويّة ، وحملة العرش ، فانظر كيف وكَّلهم اللَّه تعالى بك فيما يرجع إلى الأكل والغذاء الَّذي ذكرناه دون ما يجاوز ذلك من الهداية والإرشاد وغيرهما ، واعلم أنّ كلّ جزء من أجزاء بدنك بل من أجزاء النبات لا يغتذي إلا بأن يوكَّل به سبعة من الملائكة هم أقلّ الأعداد إلى عشرة إلى مائة إلى ما وراء ذلك ، وبيانه أنّ معنى الغذاء أن يقوم جزء من الغذاء مقام جزء قد تلف وذلك الغذاء يصير دما في آخر الأمر ثمّ يصير لحما وعظما وإذا صار عظما تمّ اغتذاؤك ، والدّم واللَّحم أجسام ليس لها قدرة ومعرفة واختيار ، فهي لا تتحرّك بأنفسها ولا تتغيّر بأنفسها ومجرّد الطبع لا يكفي في تردّدها في أطوارها كما أنّ البرّ بنفسه لا يصير طحينا ثمّ عجينا ثمّ خبزا مستديرا مطبوخا إلا بصنّاع ، فكذلك الدّم بنفسه لا يصير لحما وعظما وعرقا وعصبا إلا بصنّاع والصنّاع في الباطن هم الملائكة كما أنّ الصنّاع في الظاهر هم أهل البلد وقد أسبغ اللَّه عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ، فلا ينبغي أن يغفل عن نعمه الباطنة . فأقول : لا بدّ من ملك يجذب الغذاء إلى جوار اللَّحم والعظم فإنّ الغذاء

هامش
( 1 ) العنكبوت : 69 .
( 2 ) إبراهيم : 34 .