تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١

ورياحه وجباله ومعادنه ونباته وحيواناته وأعضاء حيواناته لا تخلو ذرّة من ذرّاته عن حكم كثيرة من حكمة واحدة إلى عشرة إلى ألف إلى عشرة آلاف وكذلك أعضاء الحيوان تنقسم إلى ما نعرف حكمتها كالعلم بأنّ العين للإبصار لا للبطش ، واليد للبطش لا للمشي ، والرّجل للمشي لا للشمّ . وأمّا الأعضاء الباطنة من الأمعاء والمرارة والكلية والكبد وآحاد العروق والأعصاب والعضلات وما فيها من التجاويف والالتفاف والاشتباك والانحراف والدّقّة والغلظ وسائر الصفات فلا يعرف وجه الحكمة فيها كافّة الناس والَّذين يعرفونها لا يعرفون منها إلا قدرا يسيرا بالإضافة إلى ما في علم اللَّه « وما أوتيتم من العلم إلا قليلا » فإذن كلّ من استعمل شيئا في جهة غير الجهة الَّتي خلق لها ولا على الوجه الَّذي أريد به فقد كفر نعمة اللَّه فيه ، فمن ضرب غيره بيده فقد كفر نعمة اللَّه في اليد إذ خلقت له اليد ليدفع بها عن نفسه ما يهلكه ويأخذ ما ينفعه لا ليهلك بها غيره ، ومن نظر إلى وجه غير المحرم فقد كفر نعمة العين ونعمة الشمس إذ الإبصار يتمّ بهما وإنّما خلقتا ليبصر بهما ما ينفعه في دينه ودنياه ويتّقي بهما ما يضرّه فيهما فقد استعملهما في غير ما أريدتا به ، وهذا لأنّ المراد من خلق الأرض والسماء وخلق الخلق وخلق الدّنيا وأسبابها أن يستعين الخلق بها على الوصول إلى اللَّه ولا وصول إليه إلا بمحبّته والأنس به في الدّنيا والتجافي عن غرور الدّنيا ، ولا أنس إلا بدوام الذكر ، ولا محبّة إلا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر ، ولا يمكن الدّوام على الذّكر والفكر إلا ببقاء البدن ، ولا يبقي البدن إلا بالغذاء ، ولا يتمّ الغذاء إلا بالأرض والماء والهواء ، ولا يتمّ ذلك إلا بخلق السماء والأرض وخلق سائر الأعضاء ظاهرا وباطنا ، فكلّ ذلك لأجل البدن والبدن مطيّة النفس ، والرّاجع إلى اللَّه هي النفس المطمئنّة بطول العبادة والمعرفة ، ولذلك قال تعالى : « وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون » ( 1 ) فكلّ من استعمل شيئا في غير طاعة اللَّه فقد كفر نعمة اللَّه في جميع الأسباب الَّتي لا بدّ منها لإقدامه على تلك المعصية ، ولنذكر

هامش
( 1 ) الذاريات : 56 .