تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠

يتجدّد للغافلين من كشف الأحوال حيث لا ينفعهم الكشف فنعوذ باللَّه الحليم الكريم من الجهل والعمى فإنّه أصل أسباب الهلاك . * ( بيان تمييز ما يحبّه اللَّه تعالى عمّا يكرهه ) * اعلم أنّ فعل الشكر وترك الكفران لا يتمّ إلا بمعرفة ما يحبّه اللَّه إذ معنى الشكر استعمال نعمه في محابّه ومعنى الكفر نقيض ذلك إمّا بترك الاستعمال أو باستعماله في مكارهه ولتمييز ما يحبّه اللَّه عمّا يكرهه مدركان أحدهما السمع ومستنده الآيات والأخبار والثاني بصيرة القلب وهو النظر بعين الاعتبار وهذا الأخير عسير وهو لأجل ذلك عزيز فلذلك أرسل اللَّه الرّسل وسهّل بهم الطريق على الخلق ومعرفة ذلك تبتني على معرفة جميع أحكام الشرع في أفعال العباد فمن لا يطَّلع على حكم الشرع في جميع أفعاله لم يمكنه القيام بحقّ الشكر أصلا ، وأمّا الثاني وهو النظر بعين الاعتبار فهو إدراك حكمة اللَّه تعالى في كلّ ؟ ؟ ؟ موجود خلقه إذ ما خلق شيئا في العالم إلا وفيه حكمة وتحت الحكمة مقصود وذلك المقصود هو المحبوب وتلك الحكم منقسمة إلى جليّة وخفيّة أمّا الجليّة فكالعلم بأنّ من الحكم في خلق . الشمس أن يحصل بها الفرق بين اللَّيل والنهار فيكون النهار معاشا واللَّيل لباسا ، فتتيسّر الحركة عند الإبصار والسكون عند الاستتار ، فهذا من جملة حكم الشمس لا كلّ الحكم فيها ، بل فيها حكم أخرى كثيرة دقيقة . وكذلك معرفة الحكمة في الغيم ونزول الأمطار وذلك لانشقاق الأرض بأنواع النبات مطعما للخلق ومرعى للأنعام وقد انطوى القرآن على جملة من الحكم الجليّة الَّتي تحملها أفهام الخلق دون الدّقيق الَّذي يقصرون عن فهمه إذ قال تعالى : « أنّا صببنا الماء صبّا . ثمّ شققنا الأرض شقّا . فأنبتنا فيها حبّا وعنبا - الآية - » ( 1 ) وأمّا الحكمة في سائر الكواكب السيّارة منها والثوابت فخفيّة لا يطَّلع عليها كافّة الخلق والقدر الَّذي يحتمله فهم الخلق أنّها زينة السماء ليستلذّ العين بالنظر إليها وأشار إليه قوله تعالى : « إنّا زيّنّا السماء الدّنيا بزينة الكواكب » ( 2 ) فجميع أجزاء العالم سماؤه وكواكبه وبحاره

هامش
( 1 ) عبس : 25 إلى 29 .
( 2 ) الصافات : 6 .