تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨

الَّتي استعملها في الطاعة ، وكلّ كسلان ترك الاستعمال أو عاص استعمل في طريق البعد فهو كافر جار في غير محبّة اللَّه ، فالمعصية والطاعة يشملهما المشيئة ولكن لا يشملهما المحبّة والكراهة ، بل ربّ مراد محبوب وربّ مراد مكروه ، ووراء بيان هذه الدّقيقة سرّ القدر الَّذي منع من إفشائه ، وقد انحلّ بهذا الإشكال الأوّل وهو أنّه إذا لم يكن للمشكور حظَّ فكيف يكون الشكر ؟ وبهذا أيضا ينحلّ الاشكال الثاني ، فإنّا لم نعن بالشكر إلا انصراف نعمة اللَّه في جهة محبّة اللَّه ، فإذا انصرفت النعمة في جهة المحبّة بفعل اللَّه تعالى فقد حصل المراد ، وفعلك عطاء من اللَّه ومن حيث أنت محلَّه فقد أثنى عليك وثناؤه نعمة أخرى منه إليك ، فهو الَّذي أعطى وهو الَّذي أثنى وصار أحد فعليه سببا لانصراف فعله الثاني إلى جهة محبّته ، فله الشكر على كلّ حال وأنت موصوف بأنّك شاكر بمعنى أنّك محلّ المعنى الَّذي الشكر عبارة عنه ، لا بمعنى أنّك موجد له ، كما أنّك موصوف بأنّك عارف وعالم لا بمعنى أنّك خالق العلم وموجده ولكن بمعنى أنّك محلّ له ، وقد وجد بالقدرة الأزليّة فيك فوصفك بأنّك شاكر إثبات شيئيّة لك وأنت شيء إذ جعلك خالق الأشياء شيئا ، وإنّما أنت لا شيء إذ كنت أنت ظانّا لنفسك شيئا من ذاتك فأمّا باعتبار النظر إلى الَّذي جعل الأشياء شيئا فأنت شيء إذ جعلك شيئا فإن قطع النظر عن جعله كنت لا شيء تحقيقا ، وإلى هذا أشار عليه السّلام حيث قال : « اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له » ( 1 ) لمّا قيل له : ففيم العمل إذا كانت الأشياء قد فرغ عنها من قبل فبيّن أنّ الخلق مجاري قدرة اللَّه ومحلّ أفعاله وإن كانوا هم أيضا من أفعاله ولكن بعض أفعاله محلّ للبعض وقوله : « اعملوا » وإن كان جاريا على لسان الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فهو فعل من أفعاله وهو سبب لعلم الخلق بأنّ العمل نافع وعملهم فعل من أفعال اللَّه والعلم سبب لانبعاث داعية جازمة إلى الحركة والطاعة وانبعاث الدّاعية أيضا من أفعال اللَّه تعالى وهو سبب لحركة الأعضاء وهي أيضا من أفعال اللَّه تعالى ولكن بعض أفعاله

هامش
( 1 ) متفق عليه من حديث علي عليه السّلام وعمران بن حصين ورواه الطبراني من حديث عمران وابن عباس بسند صحيح كما في الجامع الصغير .