تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧

المنزلة الثّانية لا في المنزلة الأولى فانّ الأولى محال على اللَّه تعالى والثّانية غير محال . ثمّ اعلم أنّ العبد لا يكون شاكرا في الحالة الأولى بمجرّد الرّكوب والوصول إلى حضرته ما لم يقم بخدمته الَّتي أرادها الملك منه ، وأمّا في الحالة الثانية فلا يحتاج إلى الخدمة أصلا ومع ذلك يتصوّر أن يكون شاكرا وكافرا ويكون شكره بأن يستعمل ما أنفذ إليه مولاه فيما أحبّه لأجله لا لأجل نفسه ، وكفره أن لا يستعمل ذلك فيه بأن يعطَّله أو يستعمله فيما يزيد في بعده منه ، فمهما لبس العبد الثوب وركب المركوب ولم ينفق الزّاد إلا في الطريق فقد شكر مولاه إذ استعمل نعمته في محبّته أي فيما أحبّه لعبده لا لنفسه ، وإن ركبه واستدبر حضرته وأخذ يبعد منه فقد كفر نعمته أي استعملها فيما كرهه مولاه لعبده لا لنفسه ، وإن جلس ولم يركب لا في طلب القرب ولا في طلب البعد فقد كفر أيضا نعمته إذ أهملها وعطَّلها ، وإن كان هذا دون ما لو بعد منه ، فكذلك خلق اللَّه سبحانه الخلق وهم في ابتداء فطرتهم يحتاجون إلى استعمال الشهوات لتكمل بها أبدانهم فيبعدون بها عن حضرته وإنّما سعادتهم في القرب منها فأعدّ لهم من النعم ما يقدرون على استعماله في نيل درجة القرب ، وعن بعدهم وقربهم عبّر اللَّه تعالى إذ قال : « لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . ثمّ رددناه أسفل سافلين . إلا الَّذين آمنوا - الآية - » ( 1 ) فإذن نعم اللَّه آلات يترقّى العبد بها عن أسفل السافلين خلقها اللَّه تعالى لأجل العبد حتّى ينال بها سعادة القرب واللَّه غنيّ عنه قرب أو بعد والعبد فيها بين أن يستعملها في الطاعة فيكون قد شكر لموافقة محبّة مولاه وبين أن يستعملها في معصيته فيكون قد كفر لاقتحامه ما يكرهه مولاه ولا يرضاه له ، فإنّ اللَّه لا يرضى لعباده الكفر والمعصية ، وإن عطَّلها ولم يستعملها في طاعة ولا معصية فهو أيضا كفران للنعمة بالتضييع ، وكلّ ما خلق في الدّنيا إنّما خلق آلة للعبد ليتوصّل به إلى سعادة الآخرة ونيل القرب من اللَّه تعالى ، فكلّ مطيع فهو بقدر طاعته شاكر نعمة اللَّه في الأسباب

هامش
( 1 ) التين : 5 و 6 و 7 .