تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
قائل إلى أنّه كسب ولو فتح لهم أبواب السماء فنظروا إلى عالم الغيب والملكوت لظهر لهم أنّ كلّ واحد صادق من وجه وأنّ القصور شامل لجميعهم فلم يدرك واحد منهم كنه هذا الأمر ولم يحط علمه بجوانبه وتمام علمه ينال بإشراق النّور من كوّة نافذة إلى عالم الغيب وأنّه تعالى عالم الغيب والشهادة فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول وقد يطَّلع على الشهادة من لم يدخل في حيّز الارتضاء ، ومن حرّك سلسلة الأسباب والمسبّبات وعلم كيفيّة تسلسلها ووجه ارتباط مناط سلسلتها بمسبّب الأسباب انكشف له سرّ القدر وعلم علما يقينيّا أن لا خالق إلا اللَّه ولا مبدع سواه . فإن قلت : قد قضيت على كلّ واحد من القائلين بالجبر والاختراع والكسب بأنّه صادق من وجه وهو مع صدقه قاصر وهذا تناقض فكيف يمكن فهم ذلك وهل يمكن إيصال ذلك إلى الأفهام بمثال ؟ . فاعلم أنّ جماعة من العميان سمعوا أنّه قد حمل إلى البلد حيوان عجيب يسمّى الفيل وما كانوا قد شاهدوا صورته ولا سمعوا اسمه فقالوا : لا بدّ لنا من مشاهدته ومعرفته باللَّمس الَّذي نقدر عليه فطلبوه فلمّا وصلوا إليه لمسوه فوقع يد بعض العميان على رجله ووقع يد بعضهم على نابه ووقع يد بعضهم على إذنه فقالوا قد عرفناه فلمّا انصرفوا سألهم بقية العميان فاختلف أجوبتهم فقال الَّذي لمس الرّجل : إنّ الفيل ما هو إلا مثل أسطوانة خشنة الظاهر إلا أنّه ألين منها ، وقال الَّذي لمس الناب : ليس كما يقول بل هو صلب لا لين فيه وأملس لا خشونة فيه ، وليس في غلظ الأسطوانة أصلا بل هو مثل عمود . وقال الَّذي لمس الأذن : لعمري هو لين وفيه خشونة فصدق أحدهما فيه ولكن قال : ما هو مثل عمود ولا مثل أسطوانة ، وإنّما هو مثل جلد غليظ عريض . فكلّ واحد من هؤلاء صدق من وجه إذ أخبر كلّ واحد عمّا أصابه من معرفة الفيل ولم يخرج واحد في خبره عن وصف الفيل ولكنّهم بجملتهم قصروا عن الإحاطة بكلّ صورة الفيل . فاستبصر بهذا المثال واعتبر به فإنّه مثال أكثر ما اختلف الناس فيه ، وإن كان