تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤

« المهاجر من هجر السوء والمجاهد من جاهد هواه » ( 1 ) والمعاصي مقتضى باعث الهوى وأشدّ أنواع الصبر عن المعاصي الصبر عن المعاصي الَّتي صارت مألوفة بالعادة ، فإنّ العادة طبيعة خامسة فإذا انضافت إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند اللَّه تعالى ، فلا يقوى باعث الدّين على قمعها ، ثمّ إن كان ذلك الفعل ممّا يتيسّر فعله كان الصبر عنه أثقل على النفس كالصبر عن معاصي اللَّسان من الغيبة والكذب والمراء والثناء على النفس تعريضا وتصريحا ، وأنواع المزاح المؤذي للقلوب وضروب الكلمات الَّتي يقصد بها الإزراء والاستحقار وذكر الموتى بالقدح فيهم وفي علومهم وسيرهم ومناصبهم ، فإنّ ذلك في ظاهره غيبة وفي باطنه ثناء على النفس فللنفس فيه شهوتان إحداهما نفي الغير والأخرى إثبات نفسه ، وبهما تتمّ له الرّبوبيّة الَّتي في طبعه وهي ضدّ ما أمر به من العبوديّة ، ولاجتماع الشهوتين وتيسّر تحريك اللَّسان ومصير ذلك معتادا في المحاورات يعسر الصبر عنها حتّى يزول استنكارها واستقباحها من القلوب لكثرة تكريرها وعموم الإنس بها ، فترى الإنسان يلبس حريرا مثلا فيستبعد غاية الاستبعاد ، ويطلق لسانه طول النّهار في أعراض الناس ولا يستنكر ذلك مع ما ورد في الخبر من « أنّ الغيبة أشدّ من الزّنى » ( 2 ) ومن لم يملك لسانه في المحاورات ولم يقدر على الصبر فيجب عليه العزلة والانفراد فلا ينجيه غيره ، فالصبر على الانفراد أهون من الصبر على السكوت مع المخالطة وتختلف شدّة الصبر في آحاد المعاصي باختلاف داعية تلك المعصية في قوّتها وضعفها ، وأيسر من حركة اللَّسان حركة الخواطر باختلاج الوساوس فلا جرم يبقى حديث النفس في العزلة فلا يمكن الصبر عنه أصلا إلا بأن يغلب على القلب همّ آخر في الدّين يستغرقه كمن أصبح وهمومه همّ واحد وإلا فإن لم يستعمل الفكر في شيء معيّن لم يتصوّر فتور الوسواس عنه .

هامش
( 1 ) أخرج شطره الأول ابن ماجة وشطره الثاني النسائي في الكبرى وكلاهما من حديث فضالة بن عبيد باسناد جيد وقد تقدما .
( 2 ) تقدم في آفات اللسان .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 124 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري