ومحلَّه عند اللَّه محلّ من يقهر مسلما ويسلَّمه إلى الكفّار ويجعله أسيرا عندهم ، لأنّه بفاحش جنايته يشبه أنّه سخّر ما كان حقّه أن يستسخر ، وسلَّط من حقّه أن يتسلَّط عليه ، وإنّما استحقّ المسلم أن يكون متسلَّطا لما فيه من معرفة الدّين وباعث الدّين ، وإنّما استحقّ الكافر أن يكون متسلَّطا عليه لما فيه من الجهل بالدّين وباعث الشياطين وحقّ المسلم على نفسه أوجب من حقّ غيره عليه ، فمهما سخّر المعنى الشريف الَّذي هو من حزب اللَّه وجند الملائكة للمعنى الخسيس الَّذي هو من حزب الشياطين المبعدين عن اللَّه كان كمن أرقّ مسلما لكافر ، بل هو كمن قصد الملك المنعم عليه فأخذ أعزّ أولاده وسلَّمه إلى بعض أعدائه فانظر كيف يكون كفرانه لنعمته واستيجابه لنقمته لأنّ الهوى أبغض إله عبد في الأرض عند اللَّه والعقل أعزّ موجود خلق في الأرض . الحالة الثالثة أن يكون الحرب سجالا بين الجندين ، فتارة له اليد عليها ، وتارة لها عليه وهذا من المجاهدين يعدّ مثله لا من الظافرين . وأهل هذه الحالة هم الَّذين « خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا عسى اللَّه أن يتوب عليهم » هذا باعتبار القوّة والضعف ، ويتطرّق إليه أيضا ثلاثة أحوال باعتبار عدد ما يصبر عنه فإنّه إمّا أن يغلب جميع الشهوات ، أو لا يغلب شيئا منها ، أو يغلب بعضها دون بعض ، وتنزيل قوله تعالى : « خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا » ( 1 ) على من عجز عن بعض الشهوات دون بعض أولى ، والتاركون للمجاهدة مع الشهوات مطلقا يشبهون بالأنعام بل هم أضلّ ، إذ البهيمة لم يخلق لها المعرفة والقدرة الَّتي بهما يجاهد مقتضى الشهوات وهذا قد خلق له وعطَّله فهو الناقص حقّا المدبر يقينا ولذلك قيل : ولم أر في عيوب الناس عيبا * كنقص القادرين على التمام وينقسم الصبر أيضا باعتبار اليسر والعسر إلى ما يشقّ على النفس فلا يمكن الدّوام عليه إلا بجهد جهيد وتعب شديد ، ويسمّى ذلك تصبّرا ، وإلى ما يكون من غير شدّة تعب بل يحصل بأدنى تحامل على النفس ، ويخصّ ذلك باسم الصبر ،
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 119
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١١٩
هامش
( 1 ) التوبة : 102 .