تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠

وإذا دام التقوى وقوي التصديق بما في العاقبة من الحسني تيسّر الصبر ، ولذلك قال تعالى : « فأمّا من أعطى واتّقى . وصدّق بالحسنى . فسنيسّره لليسرى » ( 1 ) ومثال هذه القسمة قدرة المصارع على غيره ، فإنّ الرّجل القويّ يقدر على أن يصرع الضعيف بأدنى حملة وأيسر قوّة بحيث لا يلقاه في مصارعته إعياء ولا لغوب ، ولا تضطرب فيه نفسه ولا ينبهر [ 1 ] ولا يقوى على أن يصرع الشديد إلا بتعب ومزيد جهد وعرق جبين ، فهكذا تكون المصارعة بين باعث الدّين وباعث الهوى فإنّه على التحقيق صراع بين جنود الملائكة وجنود الشياطين ، ومهما أذعنت الشّهوات وانقمعت وتسلَّط باعث الدّين واستولى وتيسّر الصبر بطول المواظبة أورث ذلك مقام الرّضا كما سيأتي في كتاب الرّضا فالرّضا أعلى من الصبر ، ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أعبد اللَّه على الرّضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير » ( 2 ) . وقال بعض العارفين أهل الصبر على ثلاث مقامات أوّله ترك الشكوى وهذه درجة التائبين والثانية الرّضا بالمقدور وهذه درجة الزّاهدين والثالثة المحبّة لما يصنع به مولاه وهذه درجة الصدّيقين ، وسنبيّن في كتاب المحبّة أنّ مقام المحبّة أعلى من مقام الرّضا كما أنّ مقام الرّضا أعلى من مقام الصبر ، وكأنّ هذا الانقسام يجري في صبر خاصّ وهو الصبر على المصائب والبلايا . واعلم أنّ الصبر أيضا ينقسم باعتبار حكمه إلى فرض ونفل ومكروه ومحرّم فالصبر عن المحظورات فرض ، وعلى المكاره نفل ، والصبر على الأذى المحظور محظور كمن تقطع يده أو يد ولده وهو يصبر عليه ساكتا وكمن يقصد حريمه بشهوة محظورة فتهيج غيرته فيصبر عن إظهار الغيرة ويسكت على ما يجري على أهله فهذا الصبر محرّم ، والصبر المكروه هو الصبر على أذى يناله بجهة مكروهة في الشرع فليكن الشرع محك الصبر ، فكون الصبر نصف الإيمان لا ينبغي أن يخيّل إليك أنّ جميعه محمود بل المراد به أنواع من الصبر مخصوصة .

هامش
( 1 ) الليل : 5 و 6 و 7 .
( 2 ) أخرجه الترمذي وأحمد في المسند نحوه من حديث ابن عباس .
[ 1 ] البهر - بالضم - : تتابع النفس .