تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
أو يتصدّق بحبّة واحدة ، وهذا مرض للقلب عظيم عسير العلاج لا سيّما في كبر السنّ وهو مرض مزمن لا يرجى علاجه ، ومثال صاحبه مثال رجل عشق شخصا فأحبّ رسوله لنفسه ثمّ نسي محبوبه واشتغل برسوله فإنّ الدّنانير رسول يبلغ إلى الحاجات فصارت محبوبة لذلك لأنّ الموصل إلى اللَّذيذ لذيذ ، ثمّ قد تنسى الحاجات ويصير الذّهب عنده كأنّه محبوب في نفسه وهو غاية الضلال بل من رأى بينه وبين الحجر فرقا فهو جاهل إلا من حيث قضاء حاجته به فالفاضل عن قدر حاجته والحجر بمثابة واحدة فهذه أسباب حبّ المال ، وإنّما علاج كلّ علَّة بمضادّة سببها ، فيعالج حبّ الشهوات بالقناعة باليسير وبالصبر ، ويعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت والنظر في موت الأقران وطول تعبهم في جمع المال وضياعه بعدهم ، ويعالج التفات القلب إلى الولد بأن الَّذي خلقه خلقه معه رزقه ، وكم من ولد لم يرث من أبيه مالا وحاله أحسن ممّن ورث ، وبأن يعلم أنّه يجمع المال لولده يريد أن يترك ولده بخير وينقلب هو إلى شرّ وأنّ ولده إن كان تقيّا صالحا فيكفيه اللَّه ، وإن كان فاسقا فيستعين بماله على المعصية وترجع مظلمته إليه ويعالج أيضا قلبه بكثرة التأمّل في الأخبار الواردة في ذمّ البخل ومدح السخاء وما توعّد اللَّه تعالى به على البخل من العقاب العظيم ، ومن الأدوية النافعة كثرة التأمّل في أحوال البخلاء ونفرة الطبع عنهم واستقباحه لهم فإنّه ما من بخيل إلا ويستقبح البخل من غيره ويستثقل كلّ بخيل من أصحابه فيعلم أنّه مستثقل ومستقذر في قلوب الناس مثل سائر البخلاء في قلبه ، ويعالج أيضا قلبه بأن يتفكَّر في مقاصد المال وأنّه لما ذا خلق ، فلا يحفظ من المال إلا بقدر حاجته إليه والباقي يدّخره لنفسه في الآخرة بأن يحصل ثواب بذله لنفسه ، فهذه أدوية من جهة المعرفة والعلم ، فإذا عرف بنور البصيرة أنّ البذل خير له من الإمساك في الدّنيا والآخرة هاجت رغبته في البذل إن كان عاقلا فإن تحرّكت الدّاعية فينبغي أن يجيب الخاطر الأوّل ولا يتوقّف لأنّ الشيطان يعده الفقر ويخوّفه ويصدّه عنه . كان أبو الحسن البوشنجي ذات يوم في الخلاء فدعا تلميذا له وقال : أنزع عنّي القميص وادفعه إلى فلان ، فقال : هلا صبرت حتّى تخرج ؟ قال : قد خطر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 87 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري