تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
الدّنيا وهي شهوة البطن والفرج فهؤلاء طائفة نسوا أنفسهم وصرفوا هممهم إلى اتّباع النسوان وجمع لذائذ الأطعمة يأكلون كما تأكل الأنعام ويظنّون أنّهم إذا نالوا ذلك فقد أدركوا غايات السعادات فيشغلهم ذلك عن اللَّه تعالى واليوم الآخر . وطائفة ظنّوا أنّ السعادة في كثرة المال والاستغناء بكنز الكنوز فأسهروا ليلهم ونهارهم في الجمع فهم يتعبون في الأسفار طول اللَّيل والنهار ويتردّدون في الأعمال الشاقّة ويكتسبون ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضرورة شحّا وبخلا عليها أن تنقص وهذه لذّتهم وفي ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يدركهم الموت فيبقى تحت الأرض أو يظفر به من يأكله في الشهوات واللَّذات فيكون للجامع تعبه ووباله وللأكل لذّته وحسابه ، ثمّ إنّ الَّذين يجمعون ينظرون إلى أمثال ذلك في أشباههم وأمثالهم ولا يعتبرون . وطائفة ظنّوا أنّ السعادة في حسن الاسم وانطلاق الألسن بالثّناء والمدح بالتجمّل والمروّة ، فهؤلاء يتعبون في كسب المعايش ويضيقون على أنفسهم في المطعم والمشرب ، ويصرفون جميع مالهم إلى الملابس الحسنة والدّواب النفيسة ، ويزخرفون أبواب الدّور وما يقع عليه أبصار الناس حتّى يقال : إنّه غنيّ وإنّه ذو ثروة ، ويظنّون أنّ ذلك هو السعادة فهمّتهم في ليلهم ونهارهم في تعهّد موقع نظر الخلق . وطائفة أخرى ظنّوا أنّ السعادة في الجاه والكرامة بين النّاس وانقياد الخلق بالتواضع والتوقير ، فصرفوا همّتهم إلى استجرار الناس إلى الطاعة بطلب الولايات وتقلَّد الأعمال السلطانيّة لينفذوا أمرهم بها على طائفة من الناس ويرون أنّهم إذا اتّسعت ولايتهم وانقادت لهم رعاياهم فقد سعدوا سعادة عظيمة وأنّ ذلك غاية المطلب ، وهذا أغلب الشهوات على قلوب المتغافلين من الناس فهؤلاء شغلهم حبّ تواضع الناس لهم عن التواضع للَّه وعن عبادته وعن التفكَّر في آخرتهم ومعادهم ، ووراء هؤلاء طوائف يطول حصرها تزيد على نيّف وسبعين فرقة كلَّهم ضلَّوا وأضلَّوا عن سواء السبيل ، وإنّما جرّهم إلى جميع ذلك حاجة المطعم والملبس والمسكن فنسوا ما تراد له هذه الأمور الثلاثة والقدر الَّذي يكفي منها وانجرّت بهم أوايل أسبابها
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 36 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري