تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣

فلا يحتاج إليه فتتعوّق الأغراض فاضطرّوا إلى حانوت تجمع آلة كلّ صنعة يترصّد بها صاحبها أرباب الحاجات وإلى أنبار يجمع إليها ما يحمله الفلاحون فيشتريه منه صاحب الأنبار ويترصّد به أرباب الحاجات ، فتظهر لذلك الأسواق والمخازن فيحمل الفلاح الحبوب فإذا لم يصادف محتاجا باعها بثمن رخيص من الباعة فيخزنونها لانتظار أرباب الحاجات طمعا في الربح وكذلك في جميع الأمتعة والأموال ، ثمّ يحدث لا محالة بين البلاد والقرى تردّد فيتردّد الناس يشترون من القرى الأطعمة ومن البلاد الآلات وينقلون ذلك فيتعيّشون به لتنتظم أمور الناس في البلاد بسببهم ، إذ كلّ بلد ربّما لا يوجد فيه كلّ آلة ، وكلّ قرية لا يوجد فيها كلّ طعام فالبعض يحتاج إلى البعض فيحوج إلى النقل فيحدث التجار المتكفّلون بالنقل وباعثهم عليه حرص جمع المال فيتعبون طول اللَّيل والنهار في الأسفار لأغراض غيرهم ونصيبهم منها جمع المال الَّذي يأكله لا محالة غيرهم إمّا قاطع طريق وإمّا سلطان ظالم ولكن جعل اللَّه في غفلتهم وجهالتهم نظاما للبلاد ومصلحة للعباد بل جميع أمور الدّنيا انتظمت بالغفلة وخساسة الهمّة ولو عقل الناس وارتفعت همّتهم لزهدوا في الدّنيا ولو فعلوا ذلك لبطلت المعايش ولو بطلت لهلكوا ولهلك الزّهّاد أيضا ، ثمّ هذه الأموال الَّتي تنقل لا يقدر الإنسان على حملها فتحتاج إلى دوابّ تحملها ، وصاحب المال قد لا يملك الدّابّة فتحدث معاملة بينه وبين مالك الدّابّة تسمّى الإجارة ويصير الكراء نوعا من الاكتساب أيضا ، ثمّ تحدث بسبب البياعات ( 1 ) الحاجة إلى النقدين فإنّ من يريد أن يشتري طعاما بثوب فمن أين يدري أنّ المقدار الَّذي يساويه من الطعام كم هو والمعاملة تجري في أجناس مختلفة كما يباع ثوب بطعام وحيوان بثوب ، وهذه أمور لا تتناسب فلا بدّ من حاكم عدل يتوسّط بين المتبايعين يعدل أحدهما بالآخر فيطلب بذلك العدل من أعيان الأموال ثمّ يحتاج إلى مال يطول بقاؤه لأنّ الحاجة إليه تدوم وأبقى الأموال المعادن فاتّخذت النقود من الذّهب والفضّة والنحاس ثمّ مسّت الحاجة إلى الضرب والنقش والتقدير فحدثت الحاجة إلى دار الضّرب وإلى

هامش
( 1 ) البياعة بالكسر - السلعة جمعها بياعات - ( القاموس ) .