تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥

اليد عن قليل من المال في حال التعجّب ، ثمّ قد يندم بعد زوال التعجّب ولا ينفع الندم وذلك قد يكون بالتمسخر والمحاكاة والشعبدة والأفعال المضحكة مثل النوارج والعجابي وقد يكون بالأشعار الغريبة أو الكلام المنثور المسجّع مع حسن الصوت والشعر الموزون أشدّ تأثيرا في النّفس لا سيّما إذا كان فيه تعصّب يتعلَّق بالمذاهب كأشعار مناقب الصحابة وفضائل أهل البيت عليهم السلام أو الَّذي يحرّك داعية العشق من أهل المجانة كصنعة البطَّالين في الأسواق أو تسليم ما يشبه العوض وليس بعوض كبيع التعويذات والحشايش إلى من يخيّل به أنّها أدوية فيخدع بها الصبيان والجهّال وكأصحاب القرعة والفأل والزجر من المنجّمين ويدخل في هذه الجنس الوعّاظ المكدّون على رؤس المنابر إذ لم يكن وراءهم طائل علميّ وكان غرضهم استمالة قلوب العوامّ وأخذ أموالهم وأنواع الكدية تزيد على الألف نوع والألفين وكلّ ذلك استنبطه بدقيق الفكر لأجل المعيشة ، فهذه هي أشغال الخلق وأعمالهم الَّتي أكبّوا عليها وجرّهم إلى ذلك كلَّه الحاجة إلى القوت والكسوة ، ولكن نسوا في أثناء ذلك أنفسهم ومقصودهم ومنقلبهم ومآلهم فضلَّوا وتاهوا وسبقت إلى عقولهم الضعيفة بعد أن كدرتها زحمة أشغال الدّنيا خيالات فاسدة ، فانقسمت مذاهبهم واختلفت آراؤهم على عدّة أوجه فطائفة غلب عليهم الجهل والغفلة فلم تنفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمرهم فقالوا : المقصود أن نعيش أيّاما في الدّنيا فنجهد حتّى نكسب القوت ثمّ نأكل حتّى نقوى على الكسب ثمّ نكتسب حتّى نأكل فيأكلون ليكسبوا ويكسبون ليأكلوا ، فهذه مذاهب الفلاحين والمحترفين ومن ليس له تنعّم في الدّنيا ولا قدم في الدّين فإنّه يتعب نهارا ليأكل ليلا ويأكل ليلا ليتعب نهارا وذلك كسير السواني ( 1 ) فهو سفر لا ينقطع إلا بالموت . وطائفة أخرى زعموا أنّهم تفطَّنوا لأمر وهو أن ليس المقصود أن يشقى الإنسان بالعمل ولا يتنعّم في الدّنيا بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوات

هامش
( 1 ) السوانى جمع السانية وهي الناضحة : الناقة التي يستقى عليها وفي المثل « السير السوانى سفر لا ينقطع » . ( مختار الصحاح ) .