إلى أواخرها ، وتداعت بهم إلى مهاوي لم يمكنهم الرقيّ منها ، فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الأسباب والأشغال وعرف غاية المقصود منها فلا يخوض في شغل وحرفة وعمل إلا وهو عالم بمقصوده وعالم بحظَّه ونصيبه منه ، وإنّ غاية مقصوده تعهّد بدنه بالقوت والكسوة حتّى لا يهلك وذلك إن سلك فيه سبيل التقليل اندفعت الأشغال عنه وفرغ القلب وغلب عليه ذكر الآخرة وانصرفت الهمّة إلى الاستعداد له وإن تعدّى به قدر الضّرورة كثرت الأشغال وتداعى البعض إلى البعض وتسلسل إلى غير نهاية فتشعّب به الهموم ، ومن تشعّبت به الهموم في أودية الدّنيا فلا يبال اللَّه في أيّ واد أهلكه ، فهذا شأن المنهمكين في أشغال الدّنيا .
وتنبّه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدّنيا فحسدهم الشيطان فلم يتركهم وأضلَّهم في الأغراض أيضا حتّى انقسموا إلى طوائف فظنّت طائفة أنّ الدّنيا دار بلاء ومحنة وأنّ الآخرة دار سعادة لكلّ من وصل إليها سواء تعبّد في الدّنيا أو لم يتعبّد ، فرأوا أنّ الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدّنيا وإليه ذهب طوائف من عبّاد الهند فهم يتهجّمون على النار ويقتلون أنفسهم بالإحراق ويظنّون أنّ ذلك خلاص منهم من محن الدّنيا ، وظنّت طائفة أخرى أنّ القتل لا يخلَّص بل لابدّ أوّلا من إماتة الصفات البشريّة وقلعها عن النفس بالكلَّية وأنّ السّعادة في قطع الشهوة والغضب ، ثمّ أقبلوا على المجاهدة فشدّدوا على أنفسهم حتّى هلك بعضهم بشدّة الرّياضة ، وبعضهم فسد عقله وجنّ ، وبعضهم مرض وانسدّت عليه طرق العبادة ، وبعضهم عجز عن قمع الصفات بالكلَّية فظنّ أنّ ما كلَّفه الشرع محال وأنّ الشرع تلبيس لا أصل له فوقع في الإلحاد والزندقة ، وظهر لبعضهم أنّ هذا التعب كلَّه للَّه وأنّ اللَّه مستغن عن عبادة العباد لا ينقصه عصيان عاص ولا تزيده عبادة عابد ، فعادوا إلى الشّهوات وسلكوا مسلك الإباحة فطووا بساط الشرع والأحكام وزعموا أنّ ذلك من صفاء توحيدهم حيث اعتقدوا أنّ اللَّه مستغن عن عبادة العباد ، وظنّ طائفة أخرى أنّ المقصود من العبادات المجاهدة حتّى يصل العبد بها إلى معرفة اللَّه فإذا حصلت المعرفة فقد وصل وبعد الوصال يستغني عن الوسيلة والحيلة ،
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 37
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٧