يعمر مساجد الله فيطينها بالعذرة ويزعم أنّ قصده العمارة . وفرقة أخرى منهم اشتغلوا بالمجاهدة وتهذيب الأخلاق وتطهير النفس من عيوبها وصاروا يتعمّقون فيها فاتّخذوا البحث عن عيوب النفس ومعرفة خدعها علما وحرفة فهم في جميع أحوالهم مشغولون بالفحص عن عيوب النفس باستنباط دقيق الكلام في آفاتها فيقولون : هذا في النفس عيب والغفلة عن كونه عيبا عيب والالتفات إلى كونه عيبا عيب ويشغفون فيه بكلمات مسلسلة تضيع الأوقات في تلفيقها ومن جعل طول عمره في التفتيش عن العيوب وتحرير علم علاجها كان كمن اشتغل بالتفتيش عن عوائق الحجّ وآفاته ولم يسلك طريق الحجّ فذلك لا يغنيه . وفرقة أخرى جاوزوا هذه الرّتبة وابتدأوا سلوك الطريق وانفتحت لهم أبواب المعرفة فكلَّما تشمّموا من مبادي المعرفة رائحة تعجّبوا منها وفرحوا بها ، وأعجبتهم غرابتها فتقيّدت قلوبهم بالالتفات إليها والتفكَّر فيها ، وفي كيفيّة انفتاح بابها عليهم وانسداده على غيرهم ، وكلّ ذلك غرور لأنّ عجائب طريق الله ليس له نهاية ، فلو وقف مع كلّ أعجوبة وتقيّد بها قصرت خطاه وحرم عن الوصول إلى المقصد ، وكان مثاله مثال من قصد ملكا فرأى على باب ميدانه روضة فيها أزهار وأنوار لم يكن قد رأى قبل ذلك مثلها فوقف ينظر إليها ويتعجّب حتّى فاته الوقت الَّذي يمكن فيه لقاء الملك . وفرقة أخرى جاوزوا هؤلاء ولم يلتفتوا إلى ما يفيض عليهم من الأنوار في الطريق وإلى ما يتيسّر لهم من العطايا الجزيلة ولم يعرّجوا على الفرح بها والالتفات إليها جادّين في السير حتّى قاربوا فواصلوا إلى حدّ القربة إلى الله تعالى وظنّوا أنّهم قد وصلوا إلى الله فوقفوا وغلطوا فإنّ لله سبعين حجابا من نور لا يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب في الطريق إلا ويظنّ أنّه قد وصل . وإليه الإشارة بقول إبراهيم صلوات الله عليه إذ قال الله تعالى إخبارا عنه : « فلمّا جنّ عليه اللَّيل رأى كوكبا قال هذا ربّي » ( 1 ) وليس المعنىّ به هذه الأجسام المضيئة فإنّه كان
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 342
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٤٢
هامش
( 1 ) الانعام : 76 .