بتنقية الزّرع عن الحشيش بقلعه من أصله فأخذ يجزّ رأسه وأطرافه فلا يزال يقوى أصله وينبت ، لأنّ مغارس المعاصي هي الأخلاق الذميمة في القلب فمن لا يطهّر القلب منها لم تتمّ له الطاعات الظاهرة إلا مع الآفات الكثيرة بل هو كمريض ظهر به الجرب وقد أمر بالطلاء وشرب الدّواء ، فالطلاء ليزيل ما على ظهره والدّواء ليقلع مادّته من باطنه فقنع بالطلاء وترك الدّواء وبقي يتناول ما يزيد في المادّة فلا يزال يطلي الظاهر والجرب دائم به يتفجّر من المادّة الَّتي في الباطن .
وفرقة أخرى علموا هذه الأخلاق الباطنة ، وعلموا أنّها مذمومة من جهة الشرع إلا أنّهم لعجبهم بأنفسهم يظنّون أنّهم منفكَّون عنها وأنّهم أرفع عند الله من أن يبتليهم بذلك وإنّما يبتلي به العوام دون من بلغ مبلغهم في العلم ، فأمّا هو فأعظم عند الله من أن يبتليه ، ثمّ إذا ظهر عليه مخائل الكبر والرئاسة وطلب العلوّ والشرف قال : ما هذا كبر وإنّما هذا طلب عزّ الدّين وإظهار شرف العلم ونصرة دين الله وإرغام أنف المخالفين من المبتدعين . فإنّي لو لبست الدّون من الثياب وجلست في الدّون من المجالس لشتمت بي أعداء الدّين وفرحوا به وكان ذلَّي ذلا على الإسلام ونسي المغرور أنّ عدوّه الَّذي حذّره مولاه منه هو الشيطان وأنّه يفرح بما يفعله ويسخر به ، ونسي أنّ النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بما ذا نصر الدّين وبما ذا أرغم الكافرين ، ونسي ما روي عن السلف من التواضع والتبذّل والقناعة بالفقر والمسكنة حتّى عوتب بعضهم في بذاذة زيّه فقال : إنّا قوم أعزّنا الله بالإسلام فلا نطلب العزّ في غيره .
ثمّ هذا المغرور يطلب عزّ الدّين بالثياب الرّقيقة من القصب الدّيبقي والإبريسم المحرم والخيول والمراكب ويزعم أنّه يطلب به عزّ الدّين وشرف العلم وكذلك مهما أطلق اللَّسان بحسد في أقرانه أو في من ردّ عليه شيئا من كلامه لم يظنّ بنفسه أنّ ذلك حسد ولكن قال : إنّما هذا غضب للحقّ وردّ على المبطل في عدوانه وظلمه . ولم يظنّ بنفسه أنّ ذلك من الحسد حتّى يعتقد أنّه لو طعن في غيره من أهل العلم أو منع غيره من رئاسة وزوحم فيها هل كان غضبه وعداوته مثل غضبه الآن فيكون غضبه لله أم لا يغضب مهما طعن في عالم آخر ومنع
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 313
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣١٣