تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
أمر الله وليس المراد بكونه من أمر الله الأمر الَّذي يقابل النّهي لأنّ ذلك الأمر كلام والرّوح ليس بكلام وليس المراد به الأمر الَّذي هو الشأن حتّى يكون المراد به أنّه من خلق الله فقطَّ لأنّ ذلك عامّ في جميع المخلوقات ، بل العالم عالمان عالم الأمر وعالم الخلق ، ولله الخلق والأمر فالأجسام ذوات الكمّية والمقادير من عالم الخلق ، إذ الخلق عبارة عن التقدير في وضع اللَّسان ، وكلّ موجود منزّه عن الكمّيّة والمقدار فإنّه من عالم الأمر ، وشرح ذلك يستدعي كشف سرّ الرّوح ولا رخصة في ذكره لاستضرار أكثر الخلق بسماعه كسرّ القدر الَّذي منع من إفشائه ، فمن عرف سرّ الرّوح فقد عرف نفسه ، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربّه وإذا عرف نفسه وربّه عرف أنّه أمر ربّانيّ بطبعه وفطرته ، وأنّه في العالم الجسمانيّ غريب ، وأنّ هبوطه لم يكن بمقتضى طبعه في ذاته بل بأمر عارض غريب من ذاته ، وذلك العارض الغريب ورد على آدم عليه السّلام وعبّر عنه بالمعصية وهي الَّتي حطَّته عن الجنّة الَّتي هي أليق بمقتضى ذاته فإنّها في جوار الرّبّ تعالى وأنّه أمر ربّانيّ وحنينه إلى جوار الرّبّ تعالى له طبعيّ ذاتيّ إلا أن تصرفه عن مقتضى طبعه عوارض العالم الغريب من ذاته فينسى عند ذلك نفسه وربّه ومهما فعل ذلك فقد ظلم نفسه إذ قيل له : « ولا تكونوا كالَّذين نسوا الله فأنسيهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون » أي الخارجون عن مقتضى طبعهم ومظنّة استحقاقهم يقال : فسقت الرّطبة عن كمامها إذا خرجت عن معدنها الفطريّ وهذه إشارة إلى أسرار يهتزّ لاستنشاق روائحها العارفون ويشمئزّ من سماع ألفاظها القاصرون فإنّها تضرّ بهم كما تضرّ رياح الورد بالجعل ، وتبهر أعينهم الضّعيفة كما تبهر الشمس أبصار الخفافيش ، وانفتاح هذا الباب من سرّ القلب إلى عالم الملكوت يسمّى معرفة وولاية ، ويسمّى صاحبها وليّا وعارفا وهي مبادي مقامات الأنبياء وآخر مقامات الأولياء أوّل مقامات الأنبياء ، ولنرجع إلى الغرض . فالمقصود أنّ غرور الشيطان بأنّ الآخرة شكّ ، يدفع إمّا بيقين تقليدي وإمّا ببصيرة ومشاهدة من جهة الباطن ، والمؤمنون بألسنتهم وبعقائدهم إذا ضيّعوا أوامر الله وهجروا الأعمال الصّالحة ولابسوا الشهوات والمعاصي فهم مشاركون
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 296 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري