معرفته فيتّقيه فالموفّق من العباد من عرف مداخل الآفات والفساد فأخذ منها حذره ، وبني على الحزم والبصيرة أمره . ونحن نشرح أجناس مجاري الغرور وأصناف المغترّين من العلماء والصالحين الَّذين اغترّوا بمبادي الأمور الجميلة ظواهرها ، القبيحة سرائرها ، ونشير إلى وجه اغترارهم بها وغفلتهم عنها فإنّ ذلك وإن كان أكثر من أن يحصى ولكن يمكن التنبيه على أمثلة تغني عن الاستقصاء . وفرق المغترّين كثيرة ولكن يجمعهم أربعة أصناف : الصنف الأوّل من العلماء ، الصنف الثاني من العبّاد ، الصنف الثالث من المتصوّفة ، الصنف الرّابع من أرباب الأموال ، والمغترّون من كلّ صنف فرق كثيرة وجهات غرورهم مختلفة فمنهم من رأى المنكر معروفا كالَّذي يتّخذ المساجد ويزخرفها من المال الحرام ، ومنهم من لم يميّز بين ما يسعى فيه لنفسه وبين ما يسعى فيه لله كالواعظ الَّذي غرضه القبول والجاه ، ومنهم من يترك الأهمّ ويشتغل بغيره ، ومنهم من يترك الفرض ويشتغل بالنافلة ، ومنهم من يترك اللَّباب ويشتغل بالقشر كالَّذي يكون همّه في الصلاة مقصورا على تصحيح مخارج الحروف ، إلى غير ذلك من المداخل الَّتي لا تتّضح إلا بتفصيل الفرق وضرب الأمثلة ولنبدء أوّلا بذكر غرور العلماء ولكن بعد بيان ذمّ الغرور وبيان حقيقته وأمثلته . * ( بيان ذم الغرور وحقيقته وأمثلته ) * اعلم أنّ قوله تعالى : « فلا تغرَّنكم الحياة الدّنيا ولا يغرّنّكم بالله الغرور » ( 1 ) . وقوله عزّ وجلّ : « ولكنّكم فتنتم أنفسكم وتربّصتم وارتبتم وغرَّتكم الأمانيّ حتّى جاء أمر الله وغرّكم بالله الغرور » ( 2 ) كاف في ذمّ الغرور . وقد قال النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « حبّذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغبنون سهر الحمقى واجتهادهم ، ولمثقال ذرّة من صاحب تقوى ويقين أفضل من ملء الأرض من المغترّين » ( 3 ) .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 291
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٩١
هامش
( 1 ) لقمان : 33 .
( 2 ) الحديد : 14 .
( 3 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين من قول أبي الدرداء بنحوه وفي بعض الروايات أبي الورد موضع أبي الدرداء وقال العراقي : لم أجده مرفوعا .