جزء من الآخرة ، فكأنّه ترك واحدا ليأخذ ألف ألف بل ليأخذ ما لا نهاية له ، ولا حدّ وإن نظر من حيث النوع رأى لذّات الدّنيا مكدّرة مشوبة بأنواع المنغّصات ، ولذّات الآخرة صافية غير مكدّرة ، فإذن قد غلط في قوله « النقد خير من النسيئة » وهذا غرور منشؤه قبول لفظ عامّ مشهورا طلق وأريد به خاصّ ، فغفل المغرور عن خصوص معناه فإنّ من قال : « النقد خير من النسيئة » أراد به خير من نسيئة هي مثله وإن لم يصرّح به ، وعند هذا يفزع الشيطان إلى القياس الآخر وهو أنّ اليقين خير من الشكّ والدّنيا يقين والآخرة شكّ ، وهذا القياس أكثر فسادا من الأوّل لأنّ كلا أصليه باطل إذ اليقين خير من الشكّ إذا كان مثله وإلا فالتاجر في تعبه على يقين وفي ربحه على شكّ ، والمتفقّه في اجتهاده على يقين وفي إدراكه رتبة العلم على شكّ ، والصيّاد في تردّده في المقتنص على يقين وفي اقتناصه الظفر بالصيد على شكّ ، وكذلك الحزم دأب العقلاء بالاتفاق وكلّ ذلك ترك لليقين بالشكّ ، ولكنّ التاجر يقول : إنّي إن لم أتّجر بقيت جائعا وعظم ضرري وإن اتّجرت كان تعبي قليلا وربحي كثيرا وكذلك المريض يشرب الدّواء البشع الكريه وهو من الشفاء على شكّ ومن مرارة الدّواء على يقين ولكن يقول : ضرر مرارة الدّواء قليل بالإضافة إلى ما أخافه من المرض والموت . وكذلك من شكّ في الآخرة فواجب عليه بحكم الحزم أن يقول : أيّام الصبر قلائل وهو منتهى العمر بالإضافة إلى ما يقال من أمر الآخرة ، فإن كان ما قيل فيه كذبا فما يفوتني إلا التنعّم أيّام حياتي وقد كنت في العدم من الأزل إلى الآن لا أتنعّم فأحسب أنّي بقيت في العدم وإن كان ما قيل صدقا فأبقى في النار أبد الآباد وهذا لا يطاق ، ولذلك قال عليّ عليه السّلام لبعض الملحدين : « إن كان ما قلته حقّا فقد تخلَّصت وتخلَّصنا وإن كان ما قلناه حقّا فقد تخلَّصنا وهلكت » ( 1 ) وما قال : هذا عن شكّ منه في الآخرة ولكن كلَّم الملحد على قدر عقله وبيّن له أنّه وإن لم يكن متيقّنا فهو مغرور ، وأمّا الأصل الثّاني من كلامه وهو أنّ الآخرة شكّ فهو أيضا خطأ بل ذلك يقين عند
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 294
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٩٤
هامش
( 1 ) راجع الكافي ج 1 ص 78 مروى نحوه عن الصادق والرضا ( ع ) جوابا للزنديق .