وقد أخبر رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنّ ذلك يغلب على آخر هذه الأمّة وبذلك هلك الأمم السالفة إذ افترقت فرقا ( 1 ) وكلّ معجب برأيه وكلّ حزب بما لديهم فرحون وجميع أهل البدع والضلال إنّما أصرّوا عليها بعجبهم بآرائهم والعجب بالبدعة هو استحسان ما يسوق إليه الهوى والشهوة مع ظنّ كونه حقّا وعلاج هذا العجب أشدّ من غيره لأنّ صاحب الرأي الخطأ جاهل بخطائه ، ولو عرفه لتركه ولا يعالج الدّاء الَّذي لا يعرف ، والجهل داء لا يعرف فتعسّر مداواته جدّا لأنّ العارف يقدر على أن يبيّن للجاهل جهله ويزيله عنه إلا إذا كان معجبا برأيه وجهله فإنّه لا يصغى إلى العارف ويتّهمه فقد سلَّط الله عليه بليّة تهلكه وهو يظنّها نعمة فكيف يمكن علاجه وكيف يطلب الهرب ممّا هو سبب سعادته في اعتقاده وإنّما علاجه على الجملة أن يكون متّهما لرأيه أبدا لا يغترّ به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب الله أو سنّة أو دليل عقلي صحيح جامع لشروط الأدلَّة ، ولن يعرف الإنسان أدلَّة الشرع والعقل وشروطها ومكامن الغلط فيها إلا بقريحة تامّة وعقل ثاقب وجدّ وتشمّر في الطلب وممارسة للكتاب والسنّة ومجالسته لأهل العلم طول العمر ومدارسة العلوم ، ومع ذلك فلا يؤمن عليه الغلط في بعض الأمور والصواب لمن لم يتفرّغ لاستغراق عمره في العلم أن لا يخوض في المذاهب ولا يصغى إليها ولا يسمعها ولكن يعتقد أن الله واحد لا شريك له وأنّه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأنّ رسوله صادق فيما أخبر به ويتّبع سنّة السلف . أقول : بل يتبع سنّة أئمّة الهدى من أهل بيت النبيّ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم خاصّة دون غيرهم من السلف كما عرفت غير مرّة . قال : ويؤمن بجملة ما جاء به الكتاب والسنّة من غير بحث وتفتيش وسؤال عن تفصيل بل يقول : آمنّا وصدّقنا ويشتغل بالتقوى واجتناب المعاصي وأداء الطاعات والشفقة على المسلمين وسائر الأعمال ، فإن خاض في المذاهب والبدع والتعصّب في العقائد هلك من حيث لا يشعر . هذا حقّ كلّ من عزم على أن يشتغل في عمره بشيء
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 288
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٨٨
هامش
( 1 ) تقدم كرارا وهو جزء من حديث أبي ثعلبة « إذا رأيت شحا مطاعا الحديث » .