قال : يا فاطمة بنت محمّد يا صفيّة بنت عبد المطلب عمّة رسول الله اعملا لأنفسكما فإنّي لا أغني عنكما من الله شيئا » ( 1 ) . فمن عرف هذه الأمور وعلم أنّ شرفه بقدر تقواه وقد كان من عادة آبائه التواضع فإن اقتدى بهم في التقوى والتواضع وإلا كان طاعنا في نسب نفسه بلسان حاله مهما انتمى إليهم ولم يشبههم في التواضع والتقوى والخوف والإشفاق . فإن قلت : فقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بعد قوله لفاطمة وصفيّة : « إنّي لا أغني عنكما من الله شيئا إلا أنّ لكما رحما سأبلَّها ببلالها » ( 2 ) . وقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « أترجو سليم شفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطَّلب » ( 3 ) وذلك يدلّ على أنّه سيخصّ قرابته بالشفاعة . فاعلم أنّ كلّ مسلم منتظر شفاعة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم والنسب أيضا جدير بأن يرجوها ولكن بشرط أن يتّقي الله ويخاف أن يغضب عليه فلا يأذن لأحد في شفاعته فإنّ الذّنوب منقسمة إلى ما يوجب المقت فلا يؤذن في الشفاعة فيه وإلى ما يعفى عنه بسبب الشفاعة كالذّنوب عند ملوك الدّنيا فإنّ كلّ ذي مكانة عند الملك لا يقدر على الشفاعة في من اشتدّ عليه غضب الملك فمن الذّنوب ما لا ينجي منه الشفاعة وعنه العبارة بقوله تعالى : « ولا يشفعون إلا لمن ارتضى » ( 4 ) وبقوله : « من ذا الَّذي يشفع عنده إلا بإذنه » ( 5 ) وبقوله : « لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرَّحمن ورضي له قولا » ( 6 ) وبقوله : « فما تنفعهم شفاعة الشافعين » ( 7 ) وإذا انقسمت الذّنوب إلى ما يشفع فيه وإلى ما لا يشفع فيه وجب
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 285
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٨٥
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه عن عائشة راجع الدر المنثور ج 5 ص 95 .
( 2 ) قوله : « سأبلها ببلالها » أي أصلكم في الدنيا ولا أغنى عنكم من الله شيئا والبلال جمع بلل وقيل : كل ما بل الحلق من ماء أو لبن أو غيره ( النهاية ) وهذا تتمة الخبر السابق .
( 3 ) أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عبد الله بن جعفر ( المغني ) .
( 4 ) الأنبياء : 29 .
( 5 ) البقرة : 257 .
( 6 ) طه : 108 .
( 7 ) المدثر : 50 .