أنّ الكبر والعزّ والعظمة والعلاء لا يليق إلا بالملك القادر فأمّا العبد المملوك الضعيف العاجز الَّذي لا يقدر على شيء فمن أين يليق به الكبر ، فمهما تكبّر العبد فقد نازع اللَّه تعالى في صفة لا تليق إلا بجلاله ومثاله أن يأخذ الغلام قلنسوة الملك فيضعها على رأسه ويجلس على سريره ، فما أعظم استحقاقه للمقت ، وما أعظم تهدّفه للخزي والنكال ، وما أشدّ استجراؤه على مولاه ، وما أقبح ما تعاطاه ، وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى : « العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته » ( 1 ) أي أنّه خاصّ صفتي ولا يليق إلا بي والمنازع فيه منازع في صفة من صفاتي . وإذا كان الكبر على عباده لا يليق إلا به فمن تكبّر على عباده فقد جنى عليه إذ الَّذي يسترذل خواصّ غلمان الملك ويستخدمهم ويترفّع عليهم ويستأثر بما حقّ الملك أن يستأثر به منهم فهو منازع له في بعض أمره وإن لم تبلغ درجته درجة من أراد الجلوس على سريره والاستبداد بملكه ، فالخلق كلَّهم عباد اللَّه وله العظمة والكبرياء عليهم ، فمن تكبّر على عبد من عباد اللَّه فقد نازع اللَّه في حقّه ، نعم الفرق بين هذه المنازعة وبين منازعة نمرود وفرعون ما هو الفرق بين منازعة الملك في استصغار بعض عبيده واستخدامهم وبين منازعته في أصل المملكة . الوجه الثاني : الَّذي تعظم به رذيلة الكبر أنّه يدعو إلى مخالفة اللَّه تعالى في أوامره لأنّ المتكبّر إذا سمع الحقّ من عبد من عباد اللَّه استنكف من قبوله وتشمّر لجحده ولذلك ترى المناظرين في مسائل الدّين يزعمون أنّهم يتباحثون عن أسرار الدّين ثمّ إنّهم يتجاحدون تجاحد المتكبّرين ومهما اتضّح الحقّ على لسان واحد منهم أنف الآخر من قبوله ويتشمرّ لجحده واحتال لدفعه بما يقدر عليه من التلبيس وذلك من أخلاق الكافرين والمنافقين إذ وصفهم اللَّه تعالى فقال : « وقال الَّذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلَّكم تغلبون » ( 2 ) فكلّ من يناظر للغلبة والإفحام لا ليغتنم الحقّ إذا ظفر به فقد شاركهم في هذا الخلق وكذلك يحمل ذلك على
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 234
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٣٤
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ج 1 ص 61 وقد تقدم .
( 2 ) فصلت : 26 .