احتمائه ، فمهما نازعته نفسه إلى شهوة تفكَّر في توالي الآلام والأوجاع عليه وأدّاه ذلك إلى الموت المفرّق بينه وبين مملكته الموجب لشماتة أعدائه به ومهما اشتدّ عليه شرب دواء تفكَّر فيما يستفيده منه من الشفاء الَّذي هو سبب التمتّع بملكه ونعيمه في عيش هنيء وبدن صحيح وقلب رخيّ وأمر نافذ ، فيخفّ عليه مهاجرة اللَّذّات ومصابرة المكروهات . فكذلك المؤمن المريد لملك الآخرة احتمى عن كلّ مهلك له في آخرته وهي لذّات الدّنيا وزهرتها فاجتزي منها بالقليل واختار الذّبول والنحول والوحشة والحزن والخوف وترك المؤانسة بالخلق جميعا خوفا من أن يحلّ عليه غضب من اللَّه فيهلك ورجاء أن ينجو من عذابه ، فخفّ ذلك كلَّه عليه عند شدّة يقينه وإيمانه بعاقبة أمره وبما أعدّ له من النعيم المقيم في رضوان اللَّه أبد الآباد ، ثمّ علم أنّ اللَّه رحيم لم يزل بعباده المريدين لمرضاته عونا وبهم رؤوفا وعليهم عطوفا ، ولو شاء لأغناهم عن التّعب والنصب ، ولكن أراد أن يبلوهم ويعرف صدق إرادتهم حكمة منه وعدلا ، ثمّ إذا تحمّل التعب في بدايته أقبل اللَّه عليه بالمعونة والتيسير وحطَّ عنه الإعياء وسهّل عليه الصبر ، وحبّب إليه الطَّاعة وزرقه فيها من لذّة المناجاة ما يلهيه ذلك عن سائر اللَّذّات ويقوّيه على إماتة الشهوات ويتولَّى سياسته وتقويته وأمدّه بمعونته فإنّ الكريم لا يضيّع سعي الرّاجي ولا يخيب أمل المحبّ ، وهو الَّذي يقول : « من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا » ويقول :
« لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي وإنّي إلى لقائهم لأشدّ شوقا » فليظهر العبد في البداية جدّه وصدقه وإخلاصه فلا يعوزه من اللَّه تعالى على القرب ما هو اللائق بجوده وكرمه ورأفته ورحمته وللَّه الحمد والمنّة .
هذا آخر كتاب ذمّ الجاه والرّياء من ربع المهلكات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء .
ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى كتاب ذمّ الكبر والعجب والحمد للَّه أوّلا وآخرا .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 210
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢١٠